في المؤتمر الصحافي الموسع الذي انعقد الأسبوع الماضي أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أنه يرى ضرورة العمل لدرء ما يحدق بروسيا من أخطار، وشدد في رد له على سؤال وجهه له مراسل شبكة «فوكس نيوز» التلفزيونية الأميركية عن موقفه مما قالته وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس التي وصفت كلام بوتين بشأن أوكرانيا بأنه كلام غير مقبول، قال بوتين «إننا مطالبون بتصويب صواريخنا نحو ما يمثل تهديدا لنا».

وكان بوتين قد ألمح في اللقاء مع الرئيس الأوكراني يوشينكو الذي زار موسكو الأسبوع الماضي ـ في إشارة إلى سعي القيادة الأوكرانية إلى ضم أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي ـ إلى أن روسيا قد تضطر إلى تصويب بعض صواريخها العسكرية نحو أوكرانيا إذا وضع الحلف في أراضيها ما يشكل خطرا على روسيا.

هذه التصريحات الحادة للرئيس الروسي والتي أحدثت ردود فعل قوية واستنكارية في دوائر عديدة في الغرب على العكس لم يكن لها أي صدى في أوكرانيا،لا على المستوى الرسمي ولا الشعبي أيضا، وهذا لا يعني عدم الاهتمام ببوتين كرئيس أو لروسيا كجارة كبيرة، ولكن على العكس لأن الشعب الأوكراني والنظام الحاكم في كييف الجميع يعلمون أن يوم القيامة أقرب من اليوم الذي تطلق فيه روسيا صواريخها على أوكرانيا، لسبب بسيط ومفهوم.

وهو أنه رغم وجود الحدود ورغم استقلال الدولتين عن بعضهما، وحتى رغم المشاكل بينهما إلا أنهما في الحقيقة أشبه بشعب واحد ووطن واحد تاريخي، و من المستحيل أن تقدم روسيا على إيذاء الشعب الأوكراني والعكس صحيح تماما، ولهذا وجدنا الصحف ووسائل الإعلام الأوكرانية تعلق على تصريحات الرئيس بوتين بتعليقات أقرب لتأييد بوتين وروسيا في موقفها،.

حيث كتبت معظم الصحف الأوكرانية تقول «لن نقبل وجود الناتو على أراضينا ولن نسمح لأحد بالإضرار بالجارة الشقيقة روسيا»، من هذا المنطلق وعلى هذا الأساس جاء تصريح بوتين محددا باللفظ بأن الصواريخ ستوجه لمصدر التهديد وليس للدولة التي يخرج منها التهديد، بمعنى أكثر وضوحا للقواعد التي سيضعها الناتو في الأراضي الأوكرانية، وهو أمر عبر العديد من الأوكرانيين عن رضائهم عنه .

هذا الواقع في أوكرانيا ينطبق أيضا على الحال في تشيكيا وبولندا اللتين تنوي الولايات المتحدة نصب أجزاء من درعها الصاروخي المضاد للصواريخ على أراضيهما، وقد وجه الرئيس بوتين نفس التهديد لهما بنفس الألفاظ، والواقع أن بوتين يعلم جيدا أن شعوب الدول الثلاث ضد أي وجود عسكري أمريكي أو لحلف الناتو على أراضيهم، وقد انعكس هذا في المؤتمر الصحافي عندما تحدث بوتين عن الديمقراطية الأميركية قائلا «إذا كانت الديمقراطية هي إرادة الشعوب ورغباتها، هل سألت واشنطن شعوب تشيكيا وبولندا وأوكرانيا يقبلون الوجود العسكري الأجنبي على أراضيهم أم لا ؟».

لقد حضر الرئيس الأوكراني فيكتور يوشينكو إلى موسكو الأسبوع الماضي والتقي الرئيس بوتين في جلسة مباحثات سرية لم يطلع على تفاصيلها أحد، و هذه السرية تعكس في الواقع أن بين الرئيسين أشياء لا يريدان أن يعرفها أحد، وهذا يعني اتفاقهما وتفاهمهما على المبادئ الأساسية في العلاقات بين البلدين وثقة كل منهما في الآخر، فالسرية لا تتم إلا بين الواثقين من بعضهما، ومن المعروف أن هناك مشكلة ساخنة بين موسكو وكييف حول توريد الغاز الروسي لأوكرانيا، والذي هددت فيه شركة غاز بروم الروسية بوقف التوريد حتى تدفع الحكومة الأوكرانية الديون المستحقة عليها.

وأعلن في ختام جلسة المباحثات الروسية الأوكرانية التي جرت في قصر الكرملين بحضور رئيسي الدولتين، وهي مباحثات اكتنفها أيضا الغموض مثل لقاء الرئيسين وبصورة غير مسبوقة، أعلن أن أوكرانيا ستدفع الديون المتأخرة عليها لشركة «غازبروم» الروسية التي تزود أوكرانيا بالغاز الطبيعي فيما لا توقف الشركة الروسية صادراتها من الغاز إلى أوكرانيا بل تستمر في ضخ الغاز إلى الجارة الشقيقة وثاني أهم جمهورية سوفييتية سابقة.

وإن هذا الأمر سيتم بطريقة أخرى سيتم الاتفاق عليها في وقت لاحق. أما بالنسبة للمسائل الخلافية الأخرى بما فيها انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) وبقاء قاعدة الأسطول الروسي في شبه جزيرة القرم (أي في الأراضي الأوكرانية) فإن كلا من الجانبين ظل في موقفه.

وقال الرئيس الروسي بوتين للصحافيين عن موقفه من نية أوكرانيا للانضمام إلى حلف الناتو إن الانضمام إلى الناتو يعني الحد من السيادة الوطنية، ومن جانبه قال الرئيس الأوكراني يوشينكو إن الخطوات الأوكرانية في الاتجاه الغربي ليست معادية لروسيا.

ويرى بعض المراقبين أن «أميرة الثورة البرتقالية» رئيسة الوزراء الأوكرانية يوليا تيموشينكا تعمل على إفساد العلاقات الأوكرانية الروسية عمدا من أجل الصعود إلى سدة الحكم في أوكرانيا، لكنها يمكن أن تتحول للعمل على تحقيق التقارب مع روسيا إذا رأت أن هذا يخدم مصلحتها.

وعلى ما يبدو أن الحوار المغلق بين الرئيسين بوتين ويوشينكو تطرق لهذا الأمر، على كل، اعتبرت المباحثات الروسية الأوكرانية التي جرت في موسكو في الثاني عشر من فبراير ناجحة لأن رئيسي الدولتين تمكنا من نزع فتيل «حرب الغاز» على الأقل، أما بخصوص مسألة الانضمام لحلف الناتو فإن موسكو تأمل في ألا تقدم أوكرانيا على هذه الخطوة غير المحمودة العواقب، وتعول موسكو كثيرا على الشعب والمعارضة الأوكرانية في إيقاف هذا المشروع.

و قد طالبت المعارضة الأوكرانية في البرلمان باتخاذ قرار حول تنظيم استفتاء بصدد الانضمام إلى حلف الناتو بأسرع وقت، وعدم مواصلة التقرب من الناتو قبل إجراء الاستفتاء. ويعارض أكثر من نصف الأوكرانيين حاليا فكرة الانضمام إلى الناتو. وتسعى القيادة الأوكرانية إلى إجراء استفتاء بعد تنظيم حملة إعلامية حول نشاطات الحلف.

ودلت نتائج استطلاع للرأي أجرته مؤسسة الرأي العام الأوكرانية «فوم أوكرانيا» في 25 يناير ـ 2 فبراير 2008 لتؤكد رفض غالبية الشعب الأوكراني الانضمام لحلف الناتو.

كاتب ومحلل سياسي أوكراني