وربما يقول قائل إن ظاهرة المحافظين الجدد برزت بوضوح خلال السنوات الثماني لعهد جورج بوش الابن وإنها بالتالي ظاهرة عرضية قابلة للزوال بعد انتهاء ولاية بوش مع نهاية عام 2008 الجاري، فهل هذا حكم صحيح؟
عبارة «المحافظين الجدد» تركيبة لفظية تضليلية من حيث غموضها المتعمد. أما إذا أردنا تسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية فإن التركيبة اللفظية الصحيحة هي «مجموعة الصهاينة المتشددين» وعلى هذا النحو فإن النفوذ اليهودي الصهيوني ظل خلال السنوات الستين الأخيرة حاضراً بكل قوة داخل البيت الأبيض وغيره من مؤسسات السلطة العليا مع تعاقب الرؤساء والإدارات. وليس هناك على الإطلاق من مؤشرات حاسمة على الأفق بما يوحي بأن مآل هذا النفوذ صار إلى زوال في أي عهد قريب.
لكن علينا أن نلاحظ أن النفوذ اليهودي الصهيوني بلغ أعلى ذراه وشدته خلال ولاية الرئيس الحالي بوش، والسبب هو تفجيرات سبتمبر 2001.
على مدى السنين الطويلة ظلت قيادات التنظيمات اليهودية الأميركية تترقب حدثاً دراماتيكياً كهذا لشن حرب شاملة ومتعددة الجوانب، وبلا نهاية على العالم العربي والإسلامي باسم «الحرب على الإرهاب» ـ والهدف الأعظم هو التمكين لإسرائيل في الأرض بواجهة أميركية.
في «منتدى أميركا والعالم الإسلامي» المنعقد في الدوحة تبارى المشاركون الأميركيون من سياسيين وأكاديميين ودبلوماسيين في محاولة «إثبات» أن الولايات المتحدة لا تتبنى سياسة خارجية تنطلق من عداء مبدئي لشعوب العالم الإسلامي، لكن الأقوال شيء والوقائع المرئية على الأرض شيء مختلف تماماً.
لقد ظل العالم يشهد خلال السنوات السبع الأخيرة استعار حربين كبريين. وكلتا الحربين تدوران بابتدار وقيادة من الولايات المتحدة. وكلتاهما ضد شعبين مسلمين ـ الشعب العراقي والشعب الأفغاني. وكل من الحربين أشعلت بمبرر باطل، أو بالأحرى بلا مبرر. فبينما ثبت عمليا بطلان وجود أسلحة دمار شامل في العراق فإنه في الوقت نفسه تعجز الإدارة الأميركية حتى هذه اللحظة عن تقديم أدلة قانونية دامغة مبنية على إجراء قضائي لتثبت أن حركة طالبان وتنظيم «القاعدة» هما المسؤولان عن تدبير تفجيرات سبتمبر.
وعبر هذه السنوات أخذت «الحرب على الإرهاب» تتشعب وتتعدد أشكالها في سياق العداء الأميركي للمسلمين. فالمعتقلون الأبرياء قانونيا في معسكر غوانتانامو كلهم مسلمون، وكذلك حال المعتقلين في السجون السرية الخارجية التي أنشأتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في بلدان أوروبا الشرقية. وحتى داخل الولايات المتحدة نفسها لا تطال الملاحقات الأمنية بواسطة مكتب التحقيقات الفيدرالي سوى أفراد مسلمين ولو كانوا مواطنين أميركيين.
وتتناغم الحروب والملاحقات الأمنية الأميركية مع إرهاب الدولة الدموي الذي تمارسه إسرائيل على الشعب الفلسطيني. معتمدة على دعم وتواطؤ من واشنطن التي تصنف «حماس» و «حزب الله» وكافة فصائل المقاومة المشروعة على القائمة الأميركية للمنظمات «الإرهابية».
هذا الوضع لن يتغير طالما بقيت مؤسسة السلطة الأميركية خاضعة لسيطرة النفوذ اليهودي الإسرائيلي، هذه هي الحقيقة الأساسية. وهي حقيقة لا يمكن تغييرها بواسطة مؤتمرات وندوات.
أحمد عمرابي