استقلال الشعوب حق طبيعي مشروع؛ لا جدال فيه ولا اعتراض. كفلته كافة القوانين والمواثيق الدولية، وتمتعت به كافة البلدان والمجتمعات. وثمة عدد من الأقليات لا تزال تطالب به.

آخرها كانت كوسوفو، التي أعلنت استقلالها، قبل يومين، قرارها أثار ضجة واسعة، كونه جاء من طرف واحد بعد الانسلاخ عن يوغسلافيا، الساحة الدولية انقسمت، تقريباً، حوله، لكل حساباته وغاياته وموقفه، الانفصال عن بلغراد جاء على خلفية معروفة نشأت أثناء تفكك الاتحاد اليوغسلافي أواخر القرن الماضي وما رافقه من حروب أهلية ارتكبت خلالها جرائم فظيعة، على أساس فرز ديني ـ اثني بغيض، كانت حصة كوسوفو منها حوالي عشرة آلاف قتيل حصدتها مجازر بشرية مرعبة ضدّ سكانها المسلمين المنحدرين من أصل ألباني، تدخلت آنذاك قوات للأمم المتحدة، بموجب القرار الدولي 1244 لتحل مكان قوات الناتو بعد انتهاء حرب البلقان؛

وتقوم بتوفير الحماية لسكان كوسوفو الذين تعرضوا لعمليات تطهير عرقي واسعة، على يد القوات الصربية، قضى هذا القرار بدخول الطرفين، حكومة صربيا وإقليم كوسوفو، في مفاوضات لتحديد صيغة للحكم الذاتي للثاني، وفشلت المحادثات التي امتدّت طوال عشر سنوات، في التوصل إلى اتفاق حول معادلة مقبولة، ومع اقتراب الموعد بدأ الشدّ والتجاذب حول مصير الإقليم، إصرار من كوسوفو على إعلان الاستقلال بمساندة دولية وازنة، قابله رفض وتحذير من جانب بلغراد وموسكو ودول أوروبية.. وأخيراً الصين.

انعكس هذا الانقسام على مجلس الأمن الذي تعذر عليه الخروج بقرار، بشأن الاستقلال. فما كان من كوسوفو إلاّ أن بادرت إلى إعلان استقلالها. من اعترض، رفض الاعتراف بالدولة الجديدة، ومن كان مع هذه الخطوة وساندها سارع إلى إعلان اعترافه، واشنطن كانت السبّاقة إلى التأييد مع الترحيب والاعتراف بالمولود الجديد.

كوسوفو مارست حقها. خاصة أنها لم تكن الأولى التي غادرت الاتحاد، ولا كانت هي التي تسببت بانفراط عقده، ثم أنها دفعت ضريبة مؤلمة أثناء حرب التفكيك التي بدأها غيرها، كذلك مارست واشنطن حقها، عندما سارعت إلى إعلان مباركتها لخطوة كوسوفو، وبررت موقفها بأن ما قامت به هذه الأخيرة لا غبار عليه بعدما تعذر على الإقليم التفاهم مع بلغراد على حلّ مقبول، وبالتالي، فإن الاستقلال بات في حكم تحصيل الحاصل، لتأمين الخلاص والتحرر من نير الصرب.

حتى هنا لا مأخذ على الموقف الأميركي؛ بصرف النظر عن مراميه وحساباته السياسية المفهومة والمعمول بها. لكن هذا الموقف بالذات يكشف عن ازدواجية فاقعة، فإذا كان فعلاً ينبع من الحرص، كما تزعم، على الوقوف بجانب الشعوب وحقها المشروع في نيل استقلالها؛ فلماذا لا تعامل الشعب الفلسطيني بالمثل؟ تقول إدارة الرئيس بوش ان كوسوفو صبرت عشر سنوات ولم يجد القرار 1244 طريقه إلى التنفيذ؛ وبالتالي كان لا بدّ من ترجمته؛ ولو من جانب واحد. مع أن القرار هذا ليس فيه إشارة إلى نهاية استقلالية. لكن الشعب الفلسطيني ما فتئ صابراً منذ عشرات السنين.

على الأقل منذ أوسلو، الذي أشار صراحة إلى الدولة الفلسطينية المستقلة. أو منذ «خريطة الطريق»، التي طرحها الرئيس بوش نفسه؛ والتي وأدتها إسرائيل في مهدها؛ من أن يحرّك ساكناً.

الاعتراف باستقلال كوسوفو، في محله. مساندة هذا الحق المشروع للشعوب؛ موقف مبدئي، ولكن ممارسته بشكل انتقائي تفقده الكثير من بريقه. ناهيك عن صدقيته. والولايات المتحدة تعاني موازنة صدقيتها الشرق أوسطية من عجز فاضح.