الحديث عن الممارسات الإسرائيلية حديث ذو شجون، حيث تملؤها عمليات القتل والحصار والتجويع مترافقة مع ليِّ الحقائق وقلبها ومساواة الضحية بالجلاد، فالرحم الإسرائيلية حبلى بأساليب تزييف الحقائق وتوليد الذرائع ، وكما عرف عن أن محركات السياسة الإسرائيلية لا تعتمد على الأسلحة العسكرية الفتاكة فقط ، بل أيضا الآلة الإعلامية وفن المراوغة والخداع ، وقد عملت هذه الأمور كوقود لتلك المحركات منذ النكبة وقيام إسرائيل على أنقاض فلسطين ، لتتمكن من الرد السريع.

وبين فترة وأخرى لا يخلو المسرح السياسي في إسرائيل من الفعل ورد الفعل ، بناء على العربدة الإسرائيلية التي تمارسها بشكل منهجي ضد الشعب الفلسطيني الأعزل ، غير أن حقيقة ما تمارسه إسرائيل من جرائم وتنكيل لا يمكن أن يخفى عن عيون المراقبين والمنصفين ، ولعل رفض إسرائيل لما أكده جون هولمز مسؤول الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية أن الذين يتساقطون في قطاع غزة نتيجة القصف الإسرائيلي هم مدنيون أبرياء ، ودعوته لعدم إضاعة الوقت وإنهاء دوامة العنف المستمرة وأن المزيد من العنف لن يجلب السلام لسكان سديروت الإسرائيلية ، خير دليل على أن إسرائيل لا تنوي التوقف عن مسلسل جرائمها وترى نفسها فوق كل القوانين والشرعية الدولية ، تفعل ما يحلو لها متى تشاء وأين تشاء ، ولا تعتد بأي نصائح أو انتقادات حتى ولو كانت من مسؤول دولي ، أو من أصدقائها ، بل كل ما تريده هو أن تضم إليها كل من يأتي زائرًا أو في نطاق مهمة رسمية أن يتبنى وجهة نظرها فقط ، وأما ما تنتقد فيه فهو من قبيل تشجيع ما تسميه الإرهاب والإرهابيين ومساواتهم بمن يحمي نفسه منهم.

على أن هناك حقيقة أخرى يمكن أن تستشف من تصريحات المبعوث الأوروبي في إسرائيل راميرو كبريان التي دعا فيها إسرائيل إلى التفكير في كيفية رفع بعض القيود عن الضفة الغربية ، وإقامة نوع من الصلات مع السلطة الفلسطينية التي تحسنت، وأن الاتحاد الأوروبي غير مرتاح لتصرفات إسرائيل في الضفة ، وهي أن إسرائيل تتعمد تخريب العلاقة مع السلطة بالمماطلات والتسويف والإجراءات اللاإنسانية في الضفة التي تختلف عن قطاع غزة من حيث الوضع السياسي والمعاملة ، لتظهر لمعارضي الرئيس الفلسطيني محمود عباس أنه رغم هذا الوفاق العلني (الظاهري) لم يستطع أن يخطو خطوة إلى الأمام في كل القضايا بما فيها قضايا الحل النهائي ، وذلك لتكريس حالة العداء والفصام بين الفلسطينيين بحيث يبقى الوضع كما هو بين مؤيد للدخول في المفاوضات ورافض لها ومفضل العمل المسلح كخيار وحيد لاسترداد حقوقه.

في الحقيقة هناك فرصة مواتية للفرقاء الفلسطينيين المتناحرين لتوظيف هذه الأصوات المنتقدة للممارسات الإسرائيلية والتي بدأت تظهر تباعا ، والتي جاءت على ألسنة ثلاثة ممن لا يمكن أن يقال أنهم منحازون للفلسطينيين ، بدءا من وزير خارجية فرنسا مرورا بمبعوث الأمم المتحدة للشؤون الانسانية انتهاء بالمبعوث الأوروبي ، وعدم التفريط بها، وإنما يتوجب عليهم المسارعة إلى حل خلافاتهم وتغليب قضيتهم الوطنية على كل القضايا ، وانتهاج نفس الأسلوب الذي تستخدمه إسرائيل وهو تنظيم حملات إعلامية دعائية في بعض القرى والبلدات الإسرائيلية المحيطة لقطاع غزة والتي تتساقط عليها الصواريخ الفلسطينية، بتنظيم حملة إعلامية من جانبهم تظهر حجم الظلم والضيم الواقع عليهم والوحشية التي تمارسها عليهم إسرائيل، فهل من مستجيب؟