شدّني خبر لافت من منطقة وسط أوروبا قبل أيام أعاد إلى الأذهان تفاصيل خلاف فريد من نوعه لكنه خطير في مغزاه ومعانيه لا يزال قائما على الساحة الثقافية والتربوية اللبنانية، وربما العربية أيضا.

الخبر يتعلق بكتاب التاريخ المفترض تدريسه للأجيال الناشئة، حيث أعلنت كل من سلوفاكيا والمجر أنهما بصدد الاتفاق على صياغة كتاب مشترك سيتم إدراجه في غضون عامين في المناهج التعليمية لمدارسهما.

والهدف من هذا المشروع هو الاتفاق على طريقة سرد التاريخ المشترك للبلدين بطريقة لا تستفز أحدا، خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن هذا التاريخ مليء بالتجارب والأحداث القاسية التي لا تزال حتى يومنا هذا موضع خلاف كبير بين القوى السياسية السلوفاكية والمجرية، لاسيما القومية المتشددة منها. أما السبب الذي يدعوني لربط هذا الموضوع بالشأن اللبناني خصوصا، فهو أن كتاب التاريخ يعتبر أيضاً من المواضيع الشائكة جدا في لبنان.

حيث طالما شكّل نقطة خلاف بارزة بين الأكاديميين على اختلاف توجهاتهم، ولعلّني لا أكشف سرا إذا قلتُ بأن الخلاف القائم حول هذا الأمر منذ زمن بعيد قد أعاق عملية صدور كتاب تاريخ موحد ينهل منه الطلاّب في كافة أرجاء هذا الوطن الجريح. هذا يعني بأن المدارس في لبنان لا تزال حتى يومنا هذا تعتمد كتباً ومناهج مختلفة لمادة التاريخ.

تتفاوت بالطبع في طريقة سردها لبعض مفاصل التاريخ الحديث انطلاقا من حقيقة أن البعض يفخر بما تم تحقيقه في تلك المفاصل، في حين أن البعض الآخر ينتقده بكل وضوح. وإن دل ذلك على شيء، فإنه يدلّ على عمق الأزمة التي يتخبط بها المجتمع اللبناني، وخطورة انعكاس ذلك على كافة أوجه الحياة الأخرى التي باتت تؤثر في تفاصيل حياتنا اليومية بشكل فظ وعنيف.

لماذا كتاب التاريخ بحد ذاته وليس أي كتاب آخر؟ ربما لأنه يشكّل المنبع الأساسي لكافة المعلومات التي من المفترض أن تترسخ في أذهاننا عن تجارب الأمم والأوطان، ولأنه يعتبر في حقيقة الأمر المحرّك الأساسي لذاكرة الشعوب ومستنهض تجاربها في واقعها الحالي. وهذا يعني بأن القوى الفاعلة، أيا كان توجهها، ستكون قادرة على قيادة تلك الشعوب واستنهاض هممها من خلال اعتمادها على ذاكرة التاريخ وتحكّمها بتفاصيلها وفق الأهواء والقناعات الذاتية بالطبع.

لقد أثبت لنا التاريخ بأنه قادر على أن يكون مثيراً ليس فقط في إيجابياته لكن في سلبياته أيضا. فكما شعرت البشرية بالفخر نتيجة الإنجازات العلمية الكثيرة التي تم تحقيقها، كانت تشعر أيضا بالأسى والخجل نتيجة الويلات والمآسي التي تسببت بها إيديولوجيات وقناعات مختلفة ألقت بثقلها ليس على شعوب تلك الأوطان فحسب بل على الحضارة العالمية بأسرها.

ولعلّ الأكاديميين المخضرمين الكبار في السن تحديداً يدركون كم مرة تم وخلال فترة وجيزة تغيير طريقة سرد بعض الوقائع التاريخية، وكم مرة اكتشفنا بأن بعض الأبطال التاريخيين كانوا في حقيقة الأمر مجرد مجرمين تسللوا إلى صفحات كتب التاريخ بفضل الإيديولوجيا الموالية لهم لا بفضل «إنجازاتهم الرائعة في سبيل البشرية».

لقد وجدت شعوب كثيرة الجرأة الكافية للغوص في أعماق الدراسة الموضوعية لتاريخها، فهذا ما فعله الأميركيون والروس والألمان واليابانيون والإنجليز والفرنسيون وغيرهم من شعوب الأرض، في حين ما زلنا كعرب نراوح مكاننا في ما يتعلق بفتح ومناقشة القضايا الخلافية التي من المفترض أن نتعامل معها كمادة علمية بحتة ننطلق من خلالها إلى آفاق المستقبل الواعد.

وإذا أخذنا التجربة السلوفاكية ـ المجرية الخاصة بمشروع صياغة الكتاب المشترك لمادة التاريخ تحديداً، نصل لقناعة مفادها أن الوقت لا يتأخر أبدا، فهناك دائما متّسع منه لاستدراك التجارب والأخطاء وتصحيحها خدمة لمن تبقى ومن سيأتي من الأجيال. ولقد حرص هذان البلدان على القيام بتلك الخطوة التاريخية رغم مرور كل هذه الأعوام الطويلة منذ فترة الحرب العالمية الثانية وحتى يومنا هذا.

فالهدف المفترض تحقيقه هو هدف سام وحضاري بكل المقاييس، ألا وهو الاتفاق على طريقة سرد الفصول الخلافية في تاريخهما المشترك بحيث يتم إبراز وجهتي النظر إفساحا بالمجال للطالب نفسه بأن يتبحّر ويتوسع في الموضوع. ولا شك بأن هذه الطريقة ستثير، مثلما كانت تفعل دائما، حفيظة القوى القومية المتطرفة التي ترفض أية حلول وسط وتصر على التمسك بتشدّدها وعصبيّتها، لكن المهم في كل هذه المعمعة هو الموقف الذي تتبناه القيادة، فإما تلجأ إلى الحكمة والموضوعية في مسألة تعاطيها مع المواضيع الأكاديمية الخلافية، أو تنحاز إلى الجهل القائم فتساهم بالتالي بتأخير التطور الحتمي.

وأعتقد جازما بأن هذه التجربة الجريئة التي نتابع فصولها في منطقة وسط أوروبا تحديداً ستنجح حتما، وذلك انطلاقا من التجارب المماثلة التي سبق لدول أخرى أن تبنّتها على المحور الألماني ـ البولندي أو الألماني ـ الفرنسي على سبيل المثال، والتي يتم خلالها طرح المواضيع الحساسة بكل انفتاح وموضوعية، أملا بأن تساهم الدراسة الموضوعية للتاريخ المشترك بالتأثير إيجابيا على كيفية تعاطي الأجيال الحالية مع الشعوب المجاورة خصوصا بعدما أصبحت جزءا من بوتقة واحدة تدعى الاتحاد الأوروبي.

انطلاقاً مما سبق يجد المرء نفسه مضطرا للتساؤل عما تحقق من انجازات في هذا السياق في لبنان تحديدا والعالم العربي عموما. فاللبنانيون، المنقسمون أصلا بين أنفسهم فيما يتعلق بقراءة التاريخ المشترك لوطنهم، مختلفون جذريا حول طريقة فهمهم للعلاقات السياسية مع الدول المجاورة، ولذلك وجدوا أنفسهم أمام مهمة شاقة فعلاً أفشلت مشروع صياغة كتاب موحد لتاريخ الوطن.

ولعل الأسئلة المحرجة التي طرحت خلال النقاش الدائر أظهرت عمق الأزمة، وحساسية المواضيع، والاختلاف الواضح في الإيديولوجيا التي تعتمد عليها الأطراف أصلاً لصياغة تفاصيل التاريخ الحديث. ونتيجة ما حصل ويحصل يتساءل المرء مجدداً، هل من الضروري فعلا الاتفاق على كتاب مشترك للتاريخ إذا كان هذا الأمر يثير كل هذه المعمعة والخلافات؟

أعتقد جازما بأن ذلك ضروري فعلاً إذا تم التعامل مع الأمور بشكل مسؤول وموضوعي، وإذا تم تغليب المصلحة الوطنية العليا فوق أي اعتبار آخر. ولعلّي أجد في نفسي الشجاعة الكافية لأقول، بأن اتفاق وتوافق القوى المتصارعة في لبنان على كتاب التاريخ قد يكون مدخلا مهما للاتفاق على القضايا الخلافية الأخرى التي لا تزال انعكاساتها تؤرق حياة اللبنانيين بشتى تلاوينهم.

إنها إذا دعوة لقراءة التاريخ بشكل موضوعي وحقيقي، فالذاكرة الوطنية كانت دائما ولا تزال منطلقاً أساسياً لصنع الحاضر والمستقبل.

كاتب لبناني