عملية اغتيال عماد مغنية التي وقعت مؤخراً في دمشق، والتي طالت قائداً بارزاً من المقاومة اللبنانية في عاصمة الأمويين تحمل موقفاً عدوانياً إسرائيلياً بالغ الدلالة لسوريا العربية التي باتت تشكل الآن موقعاً منيعاً من مواقع الممانعة العربية في ظل التهافت العربي الرسمي، والضعف والهزالة في الحالة العربية أمام العربدة الإسرائيلية.
كما تأتي في إطار نقل مسرح العمليات الدموية الإسرائيلي من قطاع غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان وبيروت إلى ساحة سوريا الداخلية، لاختراق هيبة الأمن الداخلي السوري وهزها من جذورها، وإحراج دمشق، وإظهارها أمام العالم باعتبارها موئلاً للجماعات «الإرهابية».
وفي هذا السياق تتهاوى فرضيات البعض الذي استطال في نشر تفاؤلاته وفي حديثه التبشيري عن محاولات تركية يبذلها الرئيس عبد الله غول للتقريب بين دمشق وتل أبيب، وعن محاولات تبذل لإعادة إقلاع قاطرة التسوية المتوقفة فوق أوحال هضبة الجولان منذ فشل مفاوضات شبيرزداون السورية الإسرائيلية عام 1999.
كما جاءت في الوقت الذي يلعب به أولمرت كما يشاء وكيفما شاء، وفي لحظات غياب المساءلة الدولية للدولة العبرية عن سلوكها المعروف في ممارسة الاغتيالات التي دأبت عليها منذ قيامها القسري عام 1948 على أنقاض الشعب الفلسطيني وكيانه الوطني، وفي غياب المسألة الدولية عن ممارساتها المدانة، من نمط الاغتيالات والتفجيرات وزعزعة استقرار الدول المجاورة، بما في ذلك الدول التي ارتبطت مع إسرائيل بمعاهدات سلام.
كما حصل مع محاولة الاغتيال الشهيرة التي تعرض لها رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل وسط العاصمة الأردنيةـ عمان عام 1996 بالرغم من توقيع معاهدة «صلح» وادي عربة بين الدولة الصهيونية والأردن في نوفمبر 1994.
في هذا السياق، فإن الدولة الصهيونية، تاريخياً، تتبع سياسة تقتضي بالصمت بشأن أية عملية اغتيال في أي مكان إذا لم تكون هناك أدلة واضحة على دورها، بما في ذلك الاغتيالات في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهذه السياسة التي تتسم بالغموض تهدف إسرائيل من وراء التعتيم عليها إلى تجنب الإحراج الدولي.
حيث قال عنها الرئيس الإسرائيلي الحالي شمعون بيريز ذات يوم بأن فوائدها أكبر بكثير من الإفصاح عنها كما هو الحال بالنسبة لترسانة إسرائيل من الأسلحة الذرية! «فهذا الصمت يستخدم كقوة رادعة للأعداء، فهم طالما لم يعرفوا الحقيقة فإن الخوف سوف يتملكهم» وفق تعبير الثعلب الثمانيني شمعون بيريز الذي أسس الترسانة النووية في الدولة العبرية الصهيونية منذ العام 1956.
وعليه فإن توسيع ساحة الاغتيالات من قطاع غزة إلى دمشق، والسلوك الدموي الذي يتسلح به أيهود أولمرت ومجانين التطرف في الدولة العبرية، ينبع ويتغذى من انفلات لغة الخطاب السياسي الإسرائيلي تجاه سوريا والشعب الفلسطيني وقوى المقاومة اللبنانية، والمنطلق من الرسائل التي وردت أعلاه، التي أرادت إسرائيل بثها في المنطقة.
ومن اعتبارين اثنين مترابطين، الأول منهما يتعلق بالاعتبارات الداخلية الإسرائيلية تخص استحقاقات الوضع الداخلي الإسرائيلي مع صدور الطبعة الثانية من تقرير فينوغراد الثانية، ورغبته في المزاودة على أحزاب اليمين وقوى الاستيطان المتطرفة، والثاني منهما، محاولته تصدير الفشل الأمني في فلسطين وفي حرب لبنان صيف العام 2006، وما سببته من هزة أمنية داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.
فضلاً عن هذا وذاك، فإن اختراق العاصمة السورية أمنياً، يعني بالنسبة لأولمرت على المستوى الإقليمي، إسهاماً مأجوراً في «لي الرقبة السورية» وتطويع الحالة الدمشقية، ووقف أي دور ايجابي لها على صعيد الوضع اللبناني الداخلي.
أخيراً، إن اختيار دمشق للعملية لم يكن بريئاً على الإطلاق، ولم يكن لضرورات توفر الهدف، بل كان أمراً إسرائيلياً مدروساً، يهدف إلى وضع سوريا أمام إحراجات جديدة بعد أن استُهدفت دمشق إسرائيلياً بعمليات سابقة.
فوصول أجهزة الأمن الإسرائيلية إلى دمشق واستهدافها رمزاً من رموز المقاومة اللبنانية، أمر تريد منه إسرائيل القول بأن دمشق أصبحت أقل أمناً من أي وقت مضى، الأمر يلقي على عاتق قوى المقاومة وسوريا مهام أضافية جديدة لاتخاذ الحيطة والحذر، لضمان حماية رموز المقاومة ومنع الطرف الإسرائيلي من تحقيق أية اختراقات أمنية في مرات قادمة.
كاتب فلسطيني ـ دمشق