يبدو الوضع اللبناني وكأنه على وشك أن تفرط براغي كوابحه؛ وهو يتدحرج ككرة الثلج نحو المهوار، والاحتقان السياسي، الذي بلغ ذروته، أخذ ينتقل إلى الشارع؛ وبدأ يتفجر بصورة ليلية ودائرته تتسع بعد كل جولة، والصدامات تتمدد من حيّ إلى آخر ووسائلها صارت أكثر أذى وخطورة، كانت حجارة وعصياً ثم تطورت إلى سلاح أبيض وإطلاق نار، توسّعها أوصلها إلى حدود بعض المخيمات الفلسطينية في بيروت.

سكان أحياء دارت فيها مواجهات الكرّ والفرّ اضطروا إلى قضاء ليلتهم خارج منازلهم، والجيش اللبناني المستنفر يحذر مما سبق لقائده أن سمّاه «القنبلة الموقوتة» التي يعمل على «تأجيل انفجارها». فلقد دعا المواطنين للبقاء في منازلهم أو أماكن عملهم، كما جمع مسؤولين عن الأطراف المعنية لحملهم على العمل من أجل تخفيف التوتر والابتعاد عن الشارع.

بعض شوارع العاصمة اللبنانية بدت شبه مقفرة ليلاً، حيث قوى الأمن والجيش تحاول خنق بدايات فتنة متجولة، تهدد بالانتشار كالنار في الهشيم، وهناك توافق على ضرورة وأد هذه الفتنة، لكن تفجرات الليل تمحو كلام النهار، ويزيد من التخوف أن عدة قيادات سياسية موجودة في الخارج في جولات رسمية.

المشهد الذي يتشكل يعيد إلى الذاكرة شريط بدايات الحرب الأهلية السيئة الذكر. احتكاكات في أحياء معينة انتقلت شرارتها إلى أخرى مجاورة وتجري الاتصالات لضبطها ووضع ما يمكن اعتباره صمامات أمان لضمان عدم تكرارها، لكن الدوّامة كانت وبعناد تعود إلى استئناف دورتها. وهكذا دواليك، حتى بلغ الانفلات من الزخم الذاتي، ما جعله يستعصي على السيطرة والباقي معروف.

ذكرى زيارتها ثقيلة، ولا شك أن اللبنانيين لا يطيقون عودتها. لكن المؤسف أن الشروط اللازمة لقطع الطريق على هذه العودة لم تتوفر، والمحاولات العديدة والمساعي الحثيثة التي بذلت في هذا الخصوص لم تنجح.

تعقيدات وربما تعجيزات، لا تحصى انتصبت في طريقها، وبالتحديد بوجه المبادرة العربية، ولا يوجد على الطاولة غيرها، الأمين العام للجامعة العربية عائد حسب ما أوحت مصادره، إلى بيروت يوم 24 الجاري. وهو يعتزم عقد لقاء رباعي، على غرار ما فعله في آخر زيارة له لبيروت بين الأقطاب اللبنانيين المعنيين وإصراره على العودة، بالرغم من سماكة جدار الانسداد، هو بحدّ ذاته مشجع. لكن الوقت، كالفتنة المتجولة، بات أكثر من ضاغط وبات خانقاً، الجلسة المقررة لانتخاب رئيس جمهورية جديد، موعدها يوم 26 الجاري.

فقط بعد يومين من وصوله إلى بيروت، وذلك بعد 14 مرة من تأجيلها، وصفيح الأزمة الحامي لم يعد يحتمل الإطالة، لقد صارت الأمور تقاس بالساعات لا بالأيام، والمفتاح، في عملية التقاط الأنفاس المطلوبة، يكمن في المجيء بصيغة مستعجلة تكفل لقاء موسعاً للقيادات اللبنانية؛ سواء تحت عنوان مؤتمر حوار، أو لقاء وطني طارئ؛ أو أي اسم آخر.

فالعاصفة بدأت رياحها تهدر، والبيت اللبناني مشرّعة أبوابه ونوافذه، على مداها، والعمل على إغلاقها لا بدّ وأن يكون البند الأول والعاجل في التحرك الجاري على قدم وساق، في هذه اللحظات الحاسمة من عمر الأزمة اللبنانية. الشارع لا يمهل متى ما بدأ يأخذ الأمور بيديه، جمع اللبنانيين لوضعهم أمام مسؤوليتهم التاريخية هي الخطوة رقم واحد الآن.