تكثيف إسرائيل لعملياتها العدوانية ضد الشعب الفلسطيني مترافقة مع أبشع صور الممارسات اللاإنسانية المتمثلة في الحصار الخانق الذي تفرضه على قطاع غزة وحرمان أبنائه من أبسط حقوق الإنسان بقطع عنهم إمدادات الكهرباء والماء والغذاء والدواء، يضع جميع الأطراف الفلسطينية والقوى الدولية الفاعلة أمام مسؤولياتها التي يتوجب عليها القيام بها، لإيقاف هذه الجرائم ووضع حدٍّ لها، لأن هذا الصمت المطبق تعتبره إسرائيل ضوءًا أخضر يبرر جرائمها وستارًا تتستر به، بحيث يجعلها تطلق العنان لآلياتها الحربية للعربدة والعيث فسادًا في الأرض. ولولا هذا الصمت لما سقط أكثر من اثني عشر شهيدًا في غضون يومين، ولا عزاء لجامعة الدول العربية في بيانها الذي جاء على لسان المتحدث باسم الأمين العام عمرو موسى والذي اتهمت فيه إسرائيل بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة وأن "المجزرة الأخيرة تسجل علامة جديدة في العربدة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة"، ولا يمكن أن نتصور أن يتعدى الموقف العربي حدود الإدانة اللفظية والشجب والاستنكار، ما دام وضع أصحاب البيت الفلسطيني أنفسهم لا يساعد على ذلك.
إسرائيل الآن تعمل ليل نهار على سرقة تأييد القوى الدولية ووضعه في سلة سياستها المماطلة والمراوغة، تحت مزاعم أن السكان الإسرائيليين يعيشون في وضع أمني صعب بسبب ما يسمى الصواريخ، وهو ما يعطيها الحق في تنفيذ عملية عسكرية برية واسعة للدخول إلى قطاع غزة، وقد أحاطت وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني نظيرتها الأميركية كوندوليزا رايس علمًا بذلك، وفق تسريبات الصحفيين المرافقين لليفني في زيارتها الأخيرة بواشنطن.. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن إسرائيل قد تكون بصدد إعادة صياغة جغرافية قطاع غزة بالعودة إليه، وإنشاء ما يسمى بمناطق أمنية أو دفاعية على مساحات كبيرة، لتتمكن من تجنيب البلدات والقرى الإسرائيلية المحيطة بقطاع غزة من سقوط الصواريخ الفلسطينية، والقانون الدولي يسمح بمصادرة قطع في الأراضي المحتلة لأهداف أمنية ولكن ليس لإقامة مستوطنات، ليصار إلى وضع شبيه بالوضع في الضفة الغربية، حيث إن ثلث المستوطنات الإسرائيلية في الضفة أقيمت على أملاك وأراضي فلسطينيين وبذرائع أمنية، وهذا يبرز كخيار آخر بديل ومؤقت عن خيار إلحاق غزة بمصر لتتولى مسؤولياته بشكل كامل، ويتغلب على الأصوات المصرية والفلسطينية الرافضة لذلك.
لكن في مقابل ذلك ما الذي أعده الفلسطينيون لمواجهة مثل هكذا مخططات؟ طبعًا لا شيء، فكل المؤشرات تدل على أنهم ما زالوا غير مهيئين، وليسوا في وارد التجاوز عن خلافاتهم وتفضيل الحوار الوطني، مع أنه المخرج الأوحد من هذه المحنة، وهو القشة التي ستقصم ظهر إسرائيل، ولعل في تحجج الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز بأن لديه عسر هضم، ليضطر وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير إلى اختصار لقائه به دليلاً على ذلك، حيث حثَّ كوشنير الفلسطينيين على وجوب إحلال أجواء من الثقة بينهم لإعادة الأمل، مبديًا أسفه لبقاء مختلف المشاريع التي تم درسها من قبل الجهات المانحة في باريس حبرًا على ورق، داعيًا إلى تهدئة بين حماس وإسرائيل، ومثل هذه التصريحات والتأكيدات لا تروق قادة الكيان الإسرائيلي وتتعب آذانهم، وإن كانت هي الأخرى أيضًا بحاجة إلى مزيد من المصداقية.
