تتخبط النخب السياسية في العالم العربي بالكثير من الأخطاء السياسية القاتلة جراء افتقار فاضح لرؤى واستراتيجيات علمية موضوعية واضحة تستند إلى جدار الواقع الجيوسياسي السائد في النظام العالمي، لكن الخطأ الأكبر يكمن، بلا شك، في إمكانية التعويل على تغيرات يتوهم البعض حدوثها إثر انتخاب ممثل هذا الحزب أو ذاك في كل من الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية وغيرهما.
في حال توفرت إرادة تصحيح هذا الاعوجاج الكبير والخطير في رسم السياسيات ووضع الاستراتيجيات التي تستجيب حقاً لمصالح الشعوب العربية التي يفترض أن تلك النخب تمثلها، لا بد أولاً وقبل أي شيء آخر من معرفة أن المسألة ليست مرتبطة بسياسة أو توجهات أو حتى أيديولوجيات هذا الحزب أو ذاك.
بل إنها متعلقة بالطبيعة البنيوية لدول وأمم لا يستطيع أي حزب أو شخصية مهما عظم شأنه اختراقها على الإطلاق، لا بل إنه يستحيل الوصول إلى سدة الحكم في أنظمة من هذا النوع من دون الأخذ في الاعتبار وحتى الاستناد إلى تلك الطبيعة وجعلها نبراساً تسير على هداه أثناء فترة وجودها في الحكم.
يبدو التساؤل منطقيا حول مدى جدية ساسة ومثقفي المنطقة في التعويل على نتائج الانتخابات في هذين البلدين، اللذين تجمعهما قواسم مشتركة كبيرة أهمها قيامهما على التوسع والعدوان والاستيطان وإحلال جماعات سكانية محل شعوب أصلية تمتد جذورها عميقة في التاريخ والجغرافيا.
الانطباع السائد يوحي بأنهم غير جادين بالمرة لا هم ولا وسائل إعلامهم وبأن المسألة تتعلق بدور تلعبه هذه النخب في تحريك عجلة الطاحونة الإعلامية ( برباغاندا) التي تصب مياهها في مجرى اصطفاف عالمي عريض تقوده الولايات المتحدة والدولة العبرية ويعكس مصالح يستميت أصحابها في الدفاع عنها وتوسيعها.
إنها حالة عملاقة من الاصطفاف على الساحة الدولية تنخرط فيها قوى وشخصيات وعائلات بعينها موجودة في السلطة وخارجها وتتحكم بالمفاصل الأساسية لصنع القرارات على اختلاف أنواعها، بحيث تبدو مسألة انتخاب رئيس دولة أو حكومة مسألة سخيفة وبسيطة لا تستحق النقاش لأن النتائج عادة ما تكون محسومة بصورة مسبقة ولا يشكل صعود هذه الشخصية أو ذلك الحزب إلا مجرد فارق شكلي عاجز بشكل مطلق عن المساس بجوهر العملية الانتخابية الشكلانية.
ثمة خطوط عريضة في استراتيجيات لا مكان للمزاح فيها، فهي ثابتة بصورة مطلقة وفي مقدمتها الحرص على الهوية اليهودية للدولة العبرية والدفاع عنها بكل السبل وتبني قضاياها في جميع المحافل الدولية والسياسات الوطنية.
تلك الخطوط هي التي يتم على أساسها تداول السلطة بين حزبين أو تكتلين لا ثالث لهما في الحالتين اللتين نناقشهما هنا ـ العمل والليكود في إسرائيل والجمهوري والديمقراطي في الولايات المتحدة مع الأخذ في الاعتبار أن تجربة حزب كاديما الإسرائيلي.
لم تكن إلا فقاعة خرجت من رحم التكتلين السياسيين التقليديين في الدولة العبرية وسرعان ما خبت وبدأت تتلاشى وتضمحل وتعود للانخراط في التشكيلة السياسية الثنائية الثابتة هناك ـ، الأمر الذي يفسح في المجال واسعا أمام السؤال التالي: هل يمكن لمساحة وطن أن تحدد على مقاس طبقة سياسية بعينها؟
إن المبالغة في التعاطي مع الملفين الانتخابيين في كل من الولايات المتحدة والدولة العبرية لم تخرج من دائرة متابعة ما يجري خارج حدود الأوطان وتدخل بقوة إلى دائرة الشؤون الداخلية الصرفة فحسب، وإنما باتت تشكل جزءا أساسيا من الشرنقة السياسية ـ الإعلامية التي تلتف حول عنق المواطن العادي لتكبله برهانات واهية لا علاقة لها بالواقع لا من قريب أو بعيد خصوصا لجهة إمكانية إحداث اختراق مهما كان بسيطا في السياسات الخارجية المتبعة في واشنطن وتل أبيب.
تلك المبالغة لم تعد تشكل جزءا أساسيا أيضا من مفردات القاموس السياسي النافذة في المنطقة فحسب، وإنما تحولت إلى نوع من الطقوس والشعائر التي ترقى إلى مصاف القداسة بحيث يتعين على المواطن العربي معرفة أسماء المرشحين الأميركيين حتى في الانتخابات الحزبية التمهيدية.
وقبل سنة أو سنتين من موعد بدء السباق الحقيقي إلى البيت الأبيض. طقوس أكل عليها الدهر وشرب كانت تمارس على نطاق واسع في ظلمات العصور الوسط وما قبلها من عصور الظلام التي طوى الإنسان صفحتها بلا أسف. طقوس تذكر بعصور الإمبراطوريات القديمة المتوحشة التي فرضت إرادتها بقوة السلاح والبطش على بقية شعوب العالم.
مبالغة تذكر بالأوضاع السياسية الداخلية التي تعيشها المجتمعات العربية حيث تقف الديمقراطية أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الحرمان من الوجود أو الوجود الأعرج تحت مظلة حكم الأقلية، مما يفضي إلى السؤال المشروع التالي: إذا كان أولئك المهتمون من العرب بالشأن الانتخابي الأميركي ونظيره الإسرائيلي يبدون كل هذا القلق والاهتمام بها ويخصون كل هذه المساحة الإعلامية لها، فلماذا لا يسألون أنفسهم أولاً عن مصير الانتخابات والعملية الديمقراطية في بلاد العرب.