إلى عهد قريب في الوطن العربي كانت بحار السياسة بأمواجها المتقلبة وأعاصيرها الغاضبة تفصل، وحينما يختلف الحكام كانت وسائل الإعلام هي ساحات اللقاء ومنابر الحوار التي تربط بين الشعوب على الأرض المشتركة وتصلح ما تفسده السياسة.

ومرت مرحلة تبادلت فيها الصحافة والسياسة الأدوار، فأصبحت السياسة توحد ما تفرقه الصحافة وتصلح ما يفسده الإعلام، ونحن نتطلع إلى اليوم الذي تتكامل فيه الأدوار بين السياسة والصحافة برسالة استقلالية تضامنية توحيدية بين الأجزاء، بين الأمة العربية وبين الأمة الإسلامية، وبين أقطار الوطن العربي الواحد الذي مزقته بالأمس خرائط المستعمرين القدامى في «سايكس بيكو» الأولى، وبين القوى السياسية الوطنية في كل الوطن العربي الذي تحاول تمزيقه فتن المستعمرين الجدد في سايكس بيكو الثانية «شارون ـ بوش».

حيث تسعى السياسة الصهيونية الأميركية إلى اقتتال قواه وأجزائه لرسم خرائط جديدة بجدران وهمية عازلة بين قوى الوطن الواحد، ولتكريس فصل العرب عن بعضهما البعض باسم السيادة القطرية وباسم الاعتدال والتطرف ولنسف الجسور بين العرب والمسلمين، وزرع الفتنة بين المسلمين وبعضهما البعض بصناعة الخطر البديل، بهدف تحقيق مشروع «الشرق الأوسط الكبير» بهيمنة أميركية وقيادة إسرائيلية!

وإذا كان دور السياسة العربية بسلطاتها ومسؤولياتها في التعبير عن إرادة الشعب العربي في الوحدة بين أجزاء الوطن العربي أساسيا سعيا لاستعادة القوة وبناء النهضة العربية واستعادة الحقوق العربية واحتلال المكانة اللائقة بأمة الرسالات السماوية ووطن الحضارات الإنسانية، لنتجاوز جميعا ما نحن فيه إلى ما نتطلع إليه، وإذا كان دور الإعلام العربي الحر أولا والمستقل ثانيا.

والواعي برسالته والمسؤول عن حريته، في التعبير عن ضمير شعبه وآمال أمته أساسيا، حين لا يتماهى مع أجندة تقسيمية غربية أميركية أو أوروبية، ولا يستخدم سلاحا للإثارة والفرقة، أو بوقا للتضليل والتشكيك، بل للدفاع عن قضايا الأشقاء لا التبرير لجرائم الأعداء.

إلا أن علاقة الإعلام بالسياسة، وعلاقة السياسة بالإعلام في الوطن العربي في ظل غموض السياسة والتباس دور الإعلام في مواجهة الهجمة الصهيونية السياسية والإعلامية والثقافية والعسكرية والاقتصادية على هذا الشرق العربي الإسلامي تبقى غير مطمئنة.

من هنا يصبح المطلوب هو سياسة عربية تحررية توحيدية نهضوية، بالاستقلال عن المشروع الأميركي الصهيوني، وبالعمل على توحيد المواقف العربية في إطار استراتيجية سياسية واحدة يتضامن فيها الكل مع الجزء الذي يتعرض للاحتلال أو للعدوان أو للتهديد بالعدوان.

ويصبح المطلوب إعلام عربي توحيدي نهضوي مستقل، يكون الجسر والمحاور والمعبر عن كل الآراء والتيارات الوطنية بهدف التقريب والتوحيد وليس لتكريس الخلافات وتعميق الفجوات، والتعبير عن تطلعات الشعب العربي بما يبنى لا بما يهدم وبما يوحد لا بما يفرق وبما ينور لا بما يخدر.

وبينما تغدو السياسة غير حكيمة بحظرها للآراء أو كسرها للأقلام أو بصم آذانها عن سماع الرأي المعارض وباهتمامها بما يفرق وبتجاهلها لما يوحد، يغدو الإعلام غير رشيد حين تستوقفه الصغائر ولا تقلقه الكبائر، بل حين يهول الصغائر ويهون الكبائر غالبا، و حينما يستهويه تحويل الصغائر إلى كبائر!

فالمطلوب من السياسة أن ترفع يدها عن وسائل الإعلام بكف الضغوط عليه وبالكف عن محاولات إفقاده لدوره أو إفساده في عصر حقوق الإنسان، وعصر السماوات المفتوحة و ثورة الاتصالات وتدفق المعلومات، وفى عصر الديمقراطية والحريات، حتى لا يتحول الإعلام إلى أداة في يد السلطة.. أي سلطة بينما هو في الأساس أداة الرأي العام للتعبير والتنوير.

والمطلوب من الإعلام كي يحترم نفسه أن يحافظ على الوقوف على مسافة متساوية بين كل سلطات الوطن وبين كل حكومات الأمة،وبين كل أصحاب المال أو النفوذ، وألا يسمح لنفسه بأن يكون صدى للمشروع الاستبدادي الشرقي أو الاستعماري الغربي، حتى يمكنه القيام بدوره التعبيري والتنويري الحر والمسؤول، والموحد لا المفرق، نضالا بالكلمة والصورة لتحقيق أهداف الشعب العربي.

mamdoh77@hotmail.com