الواضح أن التطورات في المشهد الفلسطيني أصبحت تسير بوتيرة سريعة ومتلاحقة لدرجة انه حتى المتابع المتخصص بات يعجز أحيانا عن تغطيتها على نحو شامل، فمن عشرات عناوين الخلافات الفلسطينية ـ الفلسطينية، إلى هموم ومشاكل الشعب الفلسطيني التي لا حصر لها، إلى الحصارات والأطواق الاحتلالية التجويعية، إلى قضية الحجاج العائدين إلى غزة، إلى التهديدات الإسرائيلية المتجددة باغتيال هنية ومشعل والقادة الآخرين، وغير ذلك من عشرات العناوين والملفات.

غير أن ملف الاغتيالات الذي توجته دولة الاحتلال قبل أيام باغتيال القائد عماد مغنية، وتواصله بالتهديدات المحمومة باغتيال هنية ومشعل وتصفية القيادات السياسية الفلسطينية بعد العسكرية، يبدو انه في مقدمة الملفات العاجلة.

فبعد أن كانت دولة الاحتلال تتعامل مع سياسة الاغتيالات السياسية التي تنفذها أجهزة «الموساد» و«الشاباك» و«الاستخبارات» ضد القيادات والنخب الفلسطينية واللبنانية والعربية ببالغ التكتم والسرية والحرص على عدم كشف تفاصيل تلك العمليات.

يبدو أن تحولا طرأ على تلك السياسة الإسرائيلية، إذ بات من الملفت للانتباه في الآونة الأخيرة أن تلك الدولة أخذت ليس فقط تهدد وتتوعد بالاغتيالات، وإنما بتنفيذ الاغتيالات والإعدامات في وضح النهار وبمنتهى الجرأة الإجرامية غير آبهة لأحد فلسطينيا أو عربيا أو دوليا، بل وقد وصلت لوثة الاغتيالات لديهم إلى مستوى هستيري محموم...!

لبنانيا ـ أوصت دراسة إسرائيلية بـ «شن حرب سرية على حزب الله واغتيال أمينه العام حسن نصر الله من أجل ـ ما أسمته ـ «قطع رأس الغول» عبر استنزاف قوته وتحجيم تهديداته لإسرائيل»، واعترفت بـ «أنه تغلب عليها حتى الآن في المعركة النفسية/ المشهد الإسرائيلي/ 1/ 14/ 2008»، والواضح أن اغتيال مغنية يأتي أيضا في هذا السياق.

وفي أوج العدوان على لبنان صيف/ 2006 وفي إطار هذا التفوق الاستخباراتي المذهل لحزب الله، وبعد كل ذلك القصف المكثف المرعب للضاحية الجنوبية والمواقع الأخرى والتي أخفقت تماما في اصطياد أي قائد من قادة حزب الله كتب يوسي ملمان في هآرتس 2006/ 8/ 1 صارخا: أين يختبيء قادة حزب الله بحق الجحيم؟

وفلسطينيا ـ اليوم أيضا يصرخون: «أين يختبئ «رئيس أركان حماس» ـ المقصود هنا احمد الجعبري ـ»، فقد كتبت يديعوت احرونوت(11/ 2/ 2008) تحت هذا العنوان تقول: «حاكم غزة حاكم جلعاد شليت»،ف «أبو محمد» الجعبري، «رئيس أركان حماس».

هو الرجل الذي يقرر متى يطلق القسام نحو إسرائيل ومن يأمر النشطاء في الضفة بإطلاق انتحاريين لتنفيذ عمليات، وبعد هجمة القسام في الأيام الأخيرة نزل الجعبري وقادة حماس الآخرين عميقاً تحت الأرض ـ وأحدٌ لا يعرف ان يختبئون».

يبدو أن إسماعيل هنية أصبح اليوم المطلوب الأول في فلسطين وبصورة عاجلة، إذ «طلبت إسرائيل وفق مصادر إعلامية موافقة الرئيس الأميركي بوش على اغتيال هنية»، وقد «ابدى الرئيس الأميركي جورج بوش تحمسه لنية إسرائيل اغتيال رؤساء حركة حماس في قطاع غزة بهدف زعزعة حكم حماس / وكالات 2007/ 12/ 28».

وحسب مصادر في أعلى مستوى في القيادة الأمنية الإسرائيلية فقد «تم اتخاذ قرار باغتيال هنية في اقرب وقت يتسنى لإسرائيل اغتياله، وأن وزير الحرب الإسرائيلي أيهود براك هو من قاد لاتخاذ القرار». وحسب السيد عمرو موسى عميد البيت العربي «فانه لا يستبعد أن تقوم إسرائيل باغتيال إسماعيل هنية، عن فضائية الجزيرة صباح الأحد 2007/ 12/ 30».

لقد أخذت دولة الاحتلال تفعل سياسة الاغتيالات في ظل أزمة أمنية متفاقمة أخذت تواجهها في مسألة وحسابات الاجتياح الشامل للقطاع، لدرجة انه أصبح لديهم إجماع على تنفيذ اغتيالات سياسية بغزة، فقد «انتهت صباح الأحد/ 10/ 02/ 2008 المشاورات الأمنية الإسرائيلية التي دعا لها رئيس الوزراء أيهود اولمرت بمشاركة وزير حربه أيهود براك ورئيس الشاباك يوفال ديسكن .

وقائد الأركان العسكرية غابي اشكنازي»، وذكرت المراسلة السياسية في إذاعة الجيش الإسرائيلي «أنه تقرر خلال هذه المشاورات القيام باستهداف نقاط محددة»، مرجحةَ «أن تبدأ حكومة الاحتلال باغتيال قيادة حركة حماس السياسية»، كما «طالب بعض وزراء الحكومة الإسرائيلية باغتيال ـ ما أسموه ـ رأس الأفعى إسماعيل هنية».

وقال وزير البنية التحتية والإسكان زئيف بويم: «إنه لا فرق بين المستوى السياسي والعسكري لحماس وعلينا التعامل مع هنية، كما تعاملنا مع الشيخ احمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي»، ورداً على سؤال للصحفيين هل هنية هدف للاغتيال؟، رد حاييم رامون-الحمامة ـ بالقول: «كل من هو ضالع بشكل مباشر أو غير مباشر بإطلاق الصواريخ تجاه سديروت هو هدف للاغتيال».

وكان تساحي هنغبي من قيادات كديما قد صرح قائلا: «يجب اغتيال القادة السياسيين لحماس ردا على عملية ديمونا/ راديو إسرائيل 05/ 02/ 2008»، أما الجنرال موفاز فقد دعا من جهته إلى «اغتيال القيادي في حركة حماس محمود الزهار «فورا»، واصفا إياه بـ «أنه ضالع بشكل مباشر في إطلاق الصواريخ تجاه إسرائيل/ هآرتس 10/ 02/ 2008».

وكان «آفي ديختر» رئيس «الشاباك» الإسرائيلي سابقا قد توج مشهد الاجتياحات والاغتيالات الاحتلالية ضد الشعب الفلسطيني بإعلانه صراحة: «أن هنية ليس محصنا ضد الاغتيال كونه رئيسا للحكومة الفلسطينية»، ليكشف لنا عن تلك النوايا المبيتة ضد قيادات وزعماء وكوادر الشعب الفلسطيني.

وهكذا نتابع أن هنية ومشعل وكبار القادة الفلسطينيين من مختلف الفصائل في دائرة الاستهداف والاغتيال، وان دولة الاحتلال تعود إلى طبيعتها كدولة اغتيالات إرهابية، بل بوصفها أكبر وأخطر دولة اغتيالات على وجه الكرة الأرضية.

لقد بات من الواضح أن من أهم تداعيات سياسة الاغتيالات الإسرائيلية ضد قيادات ورموز الشعب الفلسطيني والانتفاضة والتي تتوجها دولة الاحتلال باغتيال نخبة من خيرة القيادات الفلسطينية السياسية والفكرية والميدانية، أنها تفتح لنا أولاً وقبل كل شيء.

ملف سياسة الاغتيالات الإرهابية الصهيونية، التي تشكل أخطر عنوان من عناوين الحرب العدوانية الإسرائيلية المحمومة المفتوحة التي يؤكدها جنرالات الاحتلال ضد الشعبين اللبناني والفلسطيني وضد أبرز نشطاء وقادة الانتفاضات والمقاومة في فلسطين ولبنان.

كاتب فلسطيني

nawafzaru@yahoo.com