بإقرار وثيقة (مبادئ تنظيم البث والاستقبال الفضائي الإذاعي والتلفزيوني في المنطقة العربية) من قبل الاجتماع الاستثنائي لوزراء الإعلام العرب الذي عقد يوم الثلاثاء الماضي بمقر جامعة الدول العربية بالقاهرة يكون الإعلامي العربي قد دخل منعطفا جديدا بعد حالة الفوضى التي سادته إثر ولوجه عصر الأقمار الصناعية .

وانتشار الفضائيات بشكل عشوائي الذي أحدث نوعا من الارتباك والتشويش لدى المشاهد العربي الذي أصبح ـ رغم خياراته الكثيرة والمتعددة ـ معرضا لمختلف الأفكار والسلوكيات التي تدخل عليه بيته دون استئذان، حتى غدا رب الأسرة غير قادر على فرض أي نوع من الرقابة على نفسه، ناهيك عن بقية أفراد أسرته.

ورغم حالة الاستياء التي سادت أوساط كثير من المواطنين العرب، بدءا من النخبة السياسية والثقافية وانتهاء بالمواطن العادي، نتيجة هذه الفوضى التي ألغت المعايير الدينية والأخلاقية عندما غزا القطاع الترفيهي الذي نشطت فيه قنوات المنوعات بشكل خاص والقنوات العامة التي لم تشذ عنها بعض القنوات الحكومية التي يفترض أن تختلف معاييرها عن قنوات القطاع الخاص.

باعتبار أنها تخضع لسياسة الحكومات التي تمولها وتشرف عليها. ثم امتدت مظلة الاستياء هذه إلى القنوات ذات الطابع الإخباري والسياسي التي منحها الفضاء المفتوح هامشا كبيرا من الحرية تجاوز كل الحدود، واخترق الخطوط الحمراء.

وألغى كل المحظورات فأصبح ينتقل من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار مرورا بكل التيارات التي وجدت لها منابر عديدة تعبّر من خلالها عن أيديولوجياتها وأفكارها المكبوتة من قبل السلطة السياسية غالبا، والسلطة الدينية حينا، والأغلبية الدستورية التي تصبح أكثر ديكتاتورية من النظم الفردية أحيانا.

رغم كل هذا الاستياء فإن اعتماد وزراء الإعلام العرب لوثيقة (مبادئ تنظيم البث والاستقبال الفضائي الإذاعي والتلفزيوني في المنطقة العربية) أثار قلقا لدى المهتمين بهذا الشأن والعاملين في هذا المجال من زاوية أن هذه الوثيقة تهدف إلى تضييق هامش الحرية المتاح حاليا ـ رغم كل السلبيات التي يمكن أن تكتنفه ـ.

وتسعى إلى تقليم أظافر القنوات الفضائية التي تحظى بشعبية طاغية لدى المواطن العربي الذي يعاني من كبت الحريات، وانفراد السلطة الحاكمة بالقرار، وعدم اكتراثها بالرأي الآخر، بل وقمعها لهذا الرأي بمبررات لا تختلف كثيرا عما ورد بالبنود التي تضمنها المشروع.

الوثيقة التي تم إقرارها تعتمد نظاما أعده خبراء من وزارات الإعلام بالدول العربية وفق ما قاله مسؤولون بالجامعة. ويتضمن النظام الجديد 13 بندا تهدف إلى وضع مبادئ تنظيم البث الفضائي وعمل أكثر من 400 محطة تلفزيونية تمتلكها حوالي 60 هيئة للبث في الدول العربية، يستحوذ الإعلام الرسمي على 2% منها فقط.

البنود التي تضمنها المشروع من ذلك النوع الفضفاض الذي يرى المعارضون للوثيقة في ظاهره الرحمة وفي باطنه العذاب، يأتي على رأسها ذلك البند الذي يقضي بالالتزام باحترام كرامة الدول وتجنب تناول قادتها والرموز الوطنية والدينية بالتجريح.

كما تشتمل الوثيقة على ضوابط من أهمها الالتزام باحترام مبدأ السيادة الوطنية لكل دولة على أرضها، بما يتيح لكل دولة من الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية الحق في فرض ما تراه من قوانين ولوائح أكثر تفصيلاً في هذا الإطار والالتزام بمبدأ ولاية دولة المنشأ دون إخلال بحق أي شخص أو كيان في اللجوء إلى أجهزة تلقي الشكاوى وتسوية المنازعات التي تنظمها هذه الوثيقة.

ويدعو مشروع الوثيقة للالتزام بمبدأ حرية استقبال البث وإعادة البث، بمعنى حق المواطن العربي على امتداد أراضي الدول الأعضاء في استقبال ما يشاء من بث تليفزيوني صادر من أراضي أي من الدول أعضاء جامعة الدول العربية.

ويؤكد مشروع الوثيقة ضرورة التزام هيئات البث ومقدمي خدمات البث وإعادة البث الفضائي بتطبيق المعايير والضوابط المتعلقة بالعمل الإعلامي في شأن المصنفات التي يتم بثها، ومنها احترام كرامة الإنسان وحقوق الآخر في كامل أشكاله ومحتويات البرامج والخدمات المعروضة، والامتناع عن التحريض على الكراهية أو التمييز القائم على أساس الأصل العرقي أو اللون أو الجنس أو الدين.

والامتناع عن بث كل شكل من أشكال التحريض على العنف والإرهاب مع التفريق بينه وبين الحق في مقاومة الاحتلال، وكذلك الامتناع عن وصف الجرائم بكل أشكالها وصورها بطريقة تغري بارتكابها أو تنطوي على إضفاء البطولة على الجريمة ومرتكبيها أو تبرير دوافعها، ومراعاة آداب الحوار، واحترام حق الآخر في الرد. كما يؤكد ضرورة الالتزام بالقيم الدينية والأخلاقية للمجتمع العربي، ومراعاة بنيته الأسرية والمذاهب والرموز الدينية الخاصة بكل فئة أو طائفة.

هذه المبادئ وغيرها مما لا يتسع المجال لذكره تم تبنيها من قبل 21 وزير إعلام عربيا وكانت الدولة الوحيدة التي تحفظت عليها هي قطر التي تبث منها قناة الجزيرة. كما تم تكليف اللجنة الدائمة للإعلام العربي باقتراح آلية لتطبيقها.

بما في ذلك تشكيل فريق خبراء ولجان عمل وعقد جلسة استماع مع خبراء وممثلين للقنوات الفضائية العامة والخاصة، ثم رفع الآلية المقترحة إلى الدورة العادية الحادية والأربعين لمجلس وزراء الإعلام العرب المقرر عقدها في شهر يونيو المقبل.

مبادئ ربما لا نختلف عليها من حيث المبدأ، ولكن من الذي يضمن لنا عدم سوء استخدامها من قبل الحكومات لقمع الأفكار وتكميم الأفواه وتقييد الحريات؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه المعارضون للوثيقة، بينما يتساءل البعض عن إمكانية تطبيقها في ظل وجود مناطق إعلامية حرة متعددة تسعى إلى استقطاب المحطات الفضائية لتحقيق الأغراض الاقتصادية التي أقيمت من أجلها أكثر.

مما تهتم بما تبثه هذه المحطات وتتضمنه، ومن يضمن لنا أن لا تتجه هذه المحطات إلى أقمار صناعية أخرى تغطي المنطقة العربية ـ مثل الهوت بيرد ـ إذا تمت محاصرتها ومنع بثها عبر قمري عربسات ونايل سات اللذين يمكننا إحكام السيطرة عليهما؟

في كلمته الافتتاحية للاجتماع الاستثنائي لوزراء الإعلام العرب بالقاهرة قال وزير الإعلام المصري أنس الفقي: (إننا نرى وبوضوح الخطوط الواضحة والعلامات الفاصلة بين حرية التعبير وحرية الإعلام، وحالة الانفلات التي تستهدف إشاعتها والتي لا ينبغي أن نسمح بها، وندرك أن مسؤوليتنا لم تعد فقط قاصرة على إعلام المجتمع بما يدور في عالمنا، وإنما أيضاً حمايته مما قد يتعرض له من مؤثرات دخيلة عليه).

أما الإعلاميون فيرون أن من واجبهم التذكير بأن الطريق إلى جهنم كثيرا ما يكون مفروشا بالنيات الحسنة، ويتمنون أن لا يأتي اليوم الذي يقولون فيه: نار الفضائيات ولا جنة وثيقة تنظيم البث الفضائي العربي

كاتب إماراتي

aliobaid4000@yahoo.com