الانتقادات الصريحة التي وجهها وزير خارجية فرنسا، برنار كوشنير إلى إسرائيل؛ بخصوص الاستيطان والحصار المضروب على غزة، شهادة لا تقوى حكومة أولمرت على تكذيبها أو دحضها، فالرجل «صديق»، كما قال، لإسرائيل، لا هو صاحب أغراض معادية لإسرائيل؛ ولا هو معروف بانحيازه للفلسطينيين.
على العكس، نقده جاء من باب الحرص على مصلحة الدولة العبرية؛ التي رأى أن «إقامة الدولة الفلسطينية هي الأمل الوحيد للإسرائيليين بأن يعيشوا بأمن وسلام». لكن هذا النقد، على صوابه وصراحته وبالتالي أهميته في هذه اللحظة؛ ليس الأول من نوعه، على لسان مسؤول فرنسي؛ أو أوروبي وحتى غربي.
ربما الجديد فيه هو إعلانه بأن من حق أهالي غزة التمتع بحرية الحركة، وهذا موقف إنساني وسياسي جيّد ومتقدم، يحسب له ولبلاده. لكن ذلك لم يكن كافياً في السابق؛ ولا هو اليوم كذلك. العلّة في الموقف الغربي، عامة، كانت ولا تزال في الحلقة المفقودة، دائماً، بين القول والفعل؛ فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، كلام معسول، مع وعود برّاقة؛ فقط لا غير. أما الترجمة على الأرض؛ فلا أثر لها.
يقول كوشنير، من رام الله، إن «موقف فرنسا واضح: لا يمكن لعملية السلام أن تستمر مع النشاط الاستيطاني». وأضاف أنه يؤمن «بإعادة فتح المعابر في غزة». وكرّر أكثر من مرة إلحاحه على ضرورة قيام الدولة الفلسطينية «بأسرع وقت ممكن». في ذات اللحظة التي كان يدلي فيها بكلامه، خلال المؤتمر الصحافي، كانت إسرائيل ترتكب مجزرة جديدة وبسلاح فتاك جديد.
الحصيلة عائلة بكاملها من خمسة أشخاص، مع ثلاثة آخرين وحوالي سبعين جريحاً. لكن الأدهى، كالعادة، أنه بالتزامن مع ذلك، أيضاً، كان التراشق الفلسطيني الداخلي، بالاتهامات والتكذيبات، المتبادلة، الأمنية ـ التصفوية؛ قد بلغ مدى غير مسبوق.
طالب كلاهما بلجنة تحقيق عربية أو دولية؛ للنظر في التهم؛ التي يبدو أنها باتت اللغة الوحيدة المتداولة بينهما؛ والتي تشير مفرداتها ونبرتها، إلى أنها مرشحة للمزيد من التصعيد. المشكلة مزدوجة. لها جانبان: برّاني وجوّاني. الأول لا يصدر عنه إلا الكلام الذي لا يسمن ولا يغني عن جوع.
لكثرة ما تردد، بات أقرب إلى العقار المخدّر. في أحسن أحواله، هو من صنف «اسمع تفرح، جرّب تحزن». وخاصة فيما يتعلق بموضوع الاستيطان. لا تحصى المرات التي غمزت فيها واشنطن من زاوية المستوطنات. كلما كانت إسرائيل تعلن عن توسيع القائم أو عن تشييد الجديد، منها؛ كانت الولايات المتحدة تكتفي بالقول ـ وبخجل وصوت خافت ـ ان ذلك من شأنه «عرقلة» أو «إعاقة»، عملية السلام.
وكفى الله المؤمنين شرّ القتال. والباقي معروف. توسع استيطاني متواصل. آخر حلقاته كانت الإعلان عن بناء عشرة آلاف وحدة سكنية، على مشارف القدس. ثم الاستعدادات الجارية للتوسع الاستيطاني في منطقة الغور. طبعاً لم يصدر أكثر من وعد، حسب مصادر فلسطينية، بأن تقوم الوزيرة رايس قريباً، بزيارة إلى القدس ورام الله.
زيارات عديدة مماثلة، حصلت في السابق من غير جدوى. وكلام اعتراضي وانتقادي أكثر، مثل الذي قاله الوزير كوشنير؛ لم يترك له أي أثر. ربما أهميته أنه يفضح ويسلط الأضواء. لكن إذا كانت الجهات التي تنطق به هي نفسها ووحدها ـ وبالتحديد واشنطن ـ القادرة على إجبار إسرائيل وحملها على التقيّد بالتزامات السلام؛ ولا تقوم بهذا الدور؛ فعندئذ لا يكون الكلام سوى ذر للرماد في العين. في أحسن أحواله، لن يكون أكثر من مجرد رفع عتب.
