ستظل لعنة أسلحة الدمار الشامل العراقية التي لم يثبت وجودها أبداً، تطارد المسؤولين الأميركيين، وان اعترف البعض بالخطأ على المستوى الشخصي، أو ألصق التهمة بوكالات الاستخبارات التي قدمت إلى هؤلاء المسؤولين معلومات مغلوطة وكاذبة لتبرير غزو أرض الرافدين التي كان المحافظون الجدد يتحرقون شوقا لاحتلالها.

من قبل اعترف وزير الخارجية الأميركية السابق كولن باول بأن خطابه أمام الأمم المتحدة حول أسلحة الدمار الشامل العراقية في 2003 حمل معلومات كانت مغلوطة. ووصف باول الخطاب بأنه مؤلم له شخصيا وسيظل وصمة دائمة في سجله، وأعرب عن ذهوله إزاء علمه في وقت لاحق أن بعض المسؤولين في أجهزة الاستخبارات الأميركية كانوا يعلمون أن المعلومات التي كانت لديه لم تكن موثوقة ولكنهم لم يصارحوه بذلك.

وقبل أيام وأمام حصار من قبل مشرعين في الكونغرس اضطرت وزيرة الخارجية الأميركية الحالية كوندوليزا رايس إلى الدفاع عن نزاهتها إزاء اتهامها بالإدلاء بما يصل إلى 56 تصريحا كاذبا عن الخطر الذي يشكله الرئيس العراقي الراحل صدام حسين وأسلحة الدمار العراقية.

ولأول مرة ألقت رايس التي كانت وقت غزو العراق مستشارة للأمن القومي الأميركي بالخطأ مثل غيرها على أجهزة الاستخبارات قائلة: «نعرف الآن أن الكثير من تقييمات الاستخبارات كانت خاطئة. وسأكون أول من يقول إنها لم تكن صحيحة». لكنها وفي سعي للتنصل من اتهامها بالكذب قالت «ما من وقت عزمت أو اعتقدت انني أعطيت معلومات كاذبة للشعب الأميركي».

وبين باول ورايس كان الصقر المتشدد الذي قاد الغزو دونالد رامسفيلد قد أقر بدوره في يوليو 2004 بخطأ ربط احتلال العراق بالبحث عن أسلحة الدمار. ورغم مكابرة رامسفيلد وتأكيده على أن قرار الرئيس جورج بوش بغزو العراق كان صحيحا.

إلا انه عاد ليؤكد في مقال نشرته الشرق الأوسط اللندنية في 22 يوليو 2004 أن الإعلان عن أسلحة الدمار الشامل «بالصورة التي تم تقديمه بها إلى الأمم المتحدة افتقد الدقة وكان ناقصا أو قل وهميا»، ثم كرر الاعتراف بأن الإعلان عن وجود أسلحة دمار شامل في العراق «لم يكن صحيحا» والغريب أن رامسفيلد ورغم الإقرار بالخطأ الفادح إلا انه حاول التخفيف من وقعه بوصف الأمر على انه مجرد «زلة استخبارية».

لقد كان كولن باول الأكثر شجاعة في الاعتراف بفرية أسلحة الدمار العراقية وانه كان ضحية أكاذيب الاستخبارات التي ورطته في خطاب كاذب أمام الأمم المتحدة، ورحل الرجل عن منصبه فيما سيظل الخطاب وصمة في سجله كما قال.

أما رامسفيلد ورغم غروره وغطرسته، فقد خرج من وزارة الدفاع الأميركية بإقالة أو استقالة اجبر عليها، فيما بقيت لعنة الأكاذيب في ملف أسلحة الدمار العراقية تلاحق مسؤولين أميركيين آخرين لن تكون رايس آخر من تحاصرهم.

ووفقا لدراسة أجراها مركز الأمانة العامة وصندوق دعم الصحافة المستقلة الأميركي، جاء باول بعد بوش من حيث الإدلاء بأكاذيب بشأن حرب العراق برصيد 244 إفادة تعلقت بأسلحة الدمار الشامل، و10 عن العلاقة بين العراق والقاعدة وتبعه رامسفيلد، واري فلايشر الناطق السابق باسم البيت الأبيض برصيد 109 إفادات كاذبة.

هذه الأكاذيب لا يمكن أن تمحى من سجل هؤلاء وان حاول البعض منهم إلقاء التبعات على غيره، وخاصة أجهزة الاستخبارات التي كانت قبل غزو العراق غارقة لأذنيها في فضيحة الإخفاق بالتنبؤ بهجمات 11 سبتمبر 2001.

والتي كانت السبب الرئيس في خروج آلة الحرب الأميركية عن عقالها، وإعلان واشنطن حربا لا هوادة فيها على ما أسمته «الإرهاب» الذي ارتكبت تحت رايته جرائم كبرى بحق ملايين الأبرياء الذين لم يكن لهم فيما جرى في 11 سبتمبر ناقة ولا جملا.