انطلاقا من القاعدة الأساسية للدولة الديمقراطية الحديثة وهي أن الأمة هي مصدر السلطات، وأن إرادة الشعب هي أساس المشروعية وفق مرجعياته العامة الرئيسية التي تحدد قيمه الأساسية، وفي ظل دولة الحق والقانون التي رأى «مونتسكيو» أنها تقوم على وجود ثلاث سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية.
بهدف عدم تركيز التشريع والتنفيذ والرقابة والقضاء في يد سلطة واحدة من سلطات الدولة، وللتمييز بين مفهوم الدولة ومفهوم الحكومة، خصوصا بعد قول أحد «اللواوسة» الفرنسيين «أنا الدولة»، ومع مسار التطور إلى الأمام تطورت الممارسة الديمقراطية في دولة الحق والقانون بعد مبدأ «الفصل» بين السلطات الثلاث،
إلى مرحلة أخرى بإرساء مبدأ «التوازن» بين هذه السلطات حتى تصبح كل منها على مسافات متساوية مع السلطتين الأخريين، وبهدف أساسي هو منع طغيان سلطة الحكومة على سلطات الدولة حتى تكون كل سلطة عليها مسؤولية مراقبة وموازنة بسلطة أخرى.
لكن التطور في المفاهيم والممارسة الديمقراطية والبرلمانية قد أضاف لمفهوم الدولة سلطة رابعة إضافة إلى السلطات الثلاث، واقترن ذلك بقول «إدموند بروك»: «ثلاث سلطات تجتمع هنا تحت قبة البرلمان، ولكن هناك في قاعة المراسلين والمحررين تجلس السلطة الرابعة، وهي أهم منكم جميعاً».
ومع تطور الصحافة الغربية في أوروبا وأميركا على مدى قرنين من الزمان استقر طبقا للمفهوم الليبرالي علاقة هذه السلطة الرابعة بسلطات الدولة الديمقراطية حيث يقول «فرد. س. سايبرت»: «لم تكن حرية التعبير حقاَ تمنحه الدولة بل حقاً يتمتع به الإنسان الفرد وفق القانون الطبيعي. لذا كانت حرية الصحافة «السلطة الرابعة» جزءاً لا يتجزأ من الحقوق الطبيعية الفردية للإنسان».
كانت هذه المفاهيم هي نتاج التطور الديمقراطي حتى القرن التاسع عشر، وبينما نحن نعبر القرن العشرين وصولا إلى القرن الحادي والعشرين نعيش عصرا أكثر ميلا نحو الحرية ونحو الديمقراطية وحقوق الإنسان طبقا للمواثيق الأممية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
وتوافقا مع النظم الغربية التي تحاكيها سياسات معظم الحكومات العربية، انطلاقا من رفع الدولة يدها عن كل شيء حتى للأسف في الخدمات الأساسية، بمفاهيم الخصخصة وحرية التجارة في عصر السوق الأميركي.
و في عصر الحريات، عصر حرية الإعلام والسماوات المفتوحة والأقمار الصناعية وثورة الاتصالات، والشفافية والحوار بين الثقافات وتداول المعلومات، وعصر حقوق الإنسان والديمقراطيات والتداول على السلطات، وفي ظل الحديث المتواصل عن القرية العالمية الواحدة، والانفتاح لا الانغلاق، وإزالة الحدود بين الدول الأوروبية.
ورفع القيود عن الحريات الإنسانية، يصبح مثيرا للتساؤل والاستغراب مايتعرض له الصحافيون في معظم أجزاء العالم العربي من حبس وفصل ومنع من الكتابة، وأن تعقد الحكومات العربية اجتماعا «استثنائيا» لوزراء الإعلام لفرض الرقابة ووضع مزيد من القيود على الحريات الإعلامية خصوصا القنوات الفضائية الخاصة الصادرة من المناطق الحرة الإعلامية التي هي بطبيعتها عابرة للحدود!
وإن كان لا خلاف على أن الحرية هي الأصل في الحقوق الإنسانية والقيود هي الاستثناء، وأن حرية الاعتقاد والتعبير عن الرأي هي أساس الحريات، وأن لاحرية بلامسؤولية ولا مسؤولية بلا حرية، وإن كانت الفوضى الأخلاقية هي عدو الحرية، فإن الأعدى من الفوضى هي اللاحرية خصوصا اللاحرية الإعلامية واللاحرية السياسية.
وربما كان هذا هو باعث القلق لدى الذين يرتابون في ما وراء وما بعد الضوابط والأنماط والاشتراطات والمعايير الحكومية، ولجان الرقابة على مضامين البرامج التلفزيونية التي حملتها الوثيقة الإضافية لبث القنوات الفضائية من المناطق الحرة على الأرض العربية حسب الدورة الاستثنائية.
وهو القلق الذي عبرت عنه منظمات صحافية وإعلامية وحقوقية عربية وعالمية. وكل ما نتطلع إليه ألا تتحول السلطة الرابعة بالفوضى الأخلاقية الإعلامية إلى تسلط، وألا تتحول السلطة التنفيذية بمحاصرة الحرية السياسية خاصة بمنع الرأي الآخر إلى تسلط.