الذين استكثروا الفرحة التي طغت في الشارع المصري وعمت الوطن العربي بحدث رياضي مثل فوز الفريق المصري لكرة القدم ببطولة إفريقيا، هذه الفرحة التي تجلت هنا بهذا الاحتفال الشعبي الذي شهدته دبي.
وهذا التكريم الجميل من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، الذين استكثروا مثل هذه الاحتفالات كان عليهم أن ينتظروا يوماً أو يومين ليعيشوا المشهد المقابل في بيروت عاصمة الجمال والمحبة .
وهي تنقسم إلى فريقين: نصفها يحتشد لإحياء ذكرى رحيل رئيس وزرائها الأسبق رفيق الحريري، ونصفها الآخر يحتشد لتوديع القائد العسكري لحزب الله عماد مغنية الذي اغتيل في دمشق. وبين الدموع والأحزان هنا وهناك كانت المخاوف تسود والتساؤلات عن مصير الوطن تتعالى بعد أن تجاوز بعض مماليك السياسة اللبنانية كل الحدود وهم يهددون بإحراق الأخضر واليابس وتعليق المشانق لخصومهم في لبنان الذي عاش وسيظل ـ رغماً عن كل المؤامرات ـ أخضر وجميلاً.
احتفاء دبي وتكريم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد وحديثه بالتقدير الكبير لدور مصر في مساعدة الأشقاء ورسالتها في تحقيق الإنجاز المطلوب للتقدم العربي في مختلف المجالات. وترافق ذلك مع رعاية رئيس الدولة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد لدعم العلاقات الاقتصادية وفتح كل الأبواب أمام تعاون بدأ منذ سنوات .
ولكنه يملك الآن كل طاقات التقدم في ظل حرص الرئيس المصري على أن تكون العلاقات بين القطرين الشقيقين نموذجاً في هذا المجال.. كل ذلك مهم وضروري ويستحق الاحتفاء به من زوايا عديدة، ولكن أهمها عندي أنها تأتي في لحظة دقيقة في تاريخ الأمة تتعرض فيه للهجمات في أكثر من ميدان، وبهدف أساسي هو زرع اليقين عند الجميع بأن العروبة خرافة.
وأنه حتى الأقطار الحالية يمكن تقسيمها مرة أخرى ليكون الجميع مجرد وحدات صغيرة في مشروع كبير يخضع للهيمنة الأميركية وتكون للقوى الإقليمية الأخرى (تركيا وإيران وإسرائيل) دورها، أما العرب فليسوا عرباً بل أقوام وقبائل متناحرة وضعيفة وخاضعة للهيمنة وللاستغلال.
الفرحة العربية بمجرد انتصار لفريق كرة مصري وقبل ذلك بفريق الكرة العراقي حين فاز ببطولة آسيا، هي رد شعبي يقول بعفوية وبعيداً عن السياسة وتعقيداتها ان مشاعر العرب واحدة وقلوبهم ـ رغم كل ما حدث ويحدث لهم ـ متآلفة.
وما يتحقق على صعيد العلاقات بين مصر والإمارات في كل الميادين هو أمر ينبغي تقديره والحرص عليه والعمل على تدعيمه. فهو لقاء بين الشقيق الأكبر وبين أنجح النماذج التي قدمتها الأمة في تاريخها الحديث لتحقيق الوحدة والحفاظ عليها وتحقيق المعجزات من خلالها وخاصة في المجالات الاقتصادية.
والفرحة العربية بانجاز كرة القدم المصرية والاحتفاء الرسمي والشعبي الذي تجسد بصورة رائعة في الإمارات، وترافق ـ كما أسلفت ـ مع خطوات لتدعيم التعاون بين القطرين الشقيقين في كل المجالات له عندي أيضاً في هذه الظروف تقدير آخر.
فهو يمثل رداً عملياً على فريق في مصر له جذوره التاريخية ومصالحه التي تلتقي مع المخطط الأميركي من زاوية الدعوة لعزلة مصر عن وطنها العربي، والترويج لأكذوبة ان مصر ـ بعيداً عن الأمة العربية ـ ستكون أقدر على حل مشكلاتها وان ارتباطها بعروبتها وأدائها لدورها القومي كلفها الكثير...
إلى آخر هذه الأكاذيب التي يثبت التاريخ ويؤكد الواقع زيفها وتجد من يروج لها في أوقات الأزمات ومن يتاجر بها علي الملايين التي تعيش أوضاعاً اقتصادية صعبة، ومن يستغل ظروفاً ـ مثل أحداث سيناء الأخيرة ـ لكي يبدأ في إطلاق معزوفته، حتى شاء الله أن يكون الرد عليهم هذه المرة من حيث لم يتوقعوا.
ومن باب كرة القدم بالذات أولاً حين سجل ألمع لاعبي مصر «أبوتريكة» هدفه الأول في بطولة إفريقيا وانتهز الفرصة ليكشف عن قميص يعلن التضامن مع الأشقاء في غزة، لتصل رسالته إلى العالم كله، ثم ـ ثانياً ـ بهذا الفرح الشعبي والاحتفاء الرسمي بانجاز فريق الكرة المصري، والذي شاء أن يأتي هدف الفوز بالبطولة بقدم نفس اللاعب، ليستعيد الجميع اللحظة التي عبرت عن حقيقة مشاعر الناس في الوطن العربي.
ومع ذلك استكثر البعض أن يحتفي الناس المشتاقون للفرحة بانتصار رياضي بهذه الصورة، واستكثر آخرون ان يتحول النصر لفريق مصري إلى انتصار عربي تحتفي به كل العواصم العربية. وليتهم ـ كما أسلفت ـ انتظروا يوماً أو يومين ليروا المشهد في بيروت وهي تنقسم على شهدائها وتخاف (ونخاف معها) من أن يأتي الأسوأ. مشهد يذكر العرب بما يحاولون تناسيه من مأساة الانقسام الفلسطيني تحت الاحتلال، ومن وصول الأمر في العراق إلى اقتسام الأحياء بعد اقتسام المدن والوطن!
يعيدنا المشهد في بيروت المنقسمة على أحزانها المتخوفة من غدها، إلى المأساة التي يعيشها العرب في غيبة ترجمة مشاعر الأمة والتي شهدناها وهي تتوحد في مباراة لكرة القدم، إلى مشروع عربي للإنقاذ والنهضة، نملك كل مقوماته ونبعثرها لكي يبقى مصير الأمة رهناً بصراعات الآخرين.
وليس هذا مجال الحديث عن تفاصيل أخرى عما يحدث على الساحة اللبنانية، ولكني أقف عند ملاحظة واحدة: ففي اليوم الذي كان وزير الدفاع الإسرائيلى باراك يزور تركيا لإنجاز بعض الصفقات العسكرية بين الجانبين، كان هناك حرص من الجانب الإسرائيلي على الترويج لدور تركي في الوساطة بين إسرائيل وسوريا لإنعاش التفاوض بينهما على تسوية محتملة.. وفي نفس اليوم كانت إسرائيل تترجم نواياها باغتيال عماد مغنية في قلب دمشق!!
من جانب آخر وفي نفس اليوم كان وكيل وزارة الدفاع الأميركية يزور بيروت ويسلم رئيس الوزراء اللبناني رسالة تضامن من الرئيس الأميركي حرص الجانب الأميركي على إذاعة نصها (!!) بما يشمله من تهديد لسوريا والمنظمات «الإرهابية»!!
ألا يفتح ذلك العيون إلى حجم ما يدبر للبنان وللمنطقة؟ وهل يعي الأشقاء أن أحداً منهم لن يفلت من المسؤولية أمام الله وأمام الشعب عن أي تهاون في تجاوز الأزمة ومواجهة الخطر المشترك.. الآن ليس غداً، لأن الغد ـ في ظل هذه الظروف ـ لن يكون في أيديهم ولا في أيدينا؟
كم كنت أتمنى أن تتوحد بيروت في يوم الخميس الحزين للاحتفاء بكل شهدائها لإعلان رفضها لمسيرة الموت التي يريد البعض دفعها إليها بكل الوسائل. وإذا كان ذلك لم يحدث فليكن الرد بحجم المسؤولية وبحجم التحديات، وليصدر إعلان مشترك من الحريري وأمين الجميل وعون وبري وحسن نصر الله ينهون فيه الموقف الملتهب.
ويعلنون التوافق على ميشيل سلمان رئيساً للجمهورية وعلى حكومة على أساس المثالثة أو حكومة أقطاب مصغرة، وليفتحوا الباب بعد ذلك للتفاهم على المسائل المعلقة، مع التأكيد على أن لبنان المقاوم سيظل مقاوماً حتى تحرير الأرض، وأن على المماليك الصغار الذين يهددون بحرق الأخضر واليابس أن يخرسوا.
وعلي الجميع ان يستعد لما هو آت من خلال جبهة واحدة لا تدين بالولاء إلا للبنان الموحد العربي. هل يفعلون؟ هل يعيدون لبيروت وحدتها، أم يفتحون أبوابها لمن يتربصون بها، وبالوطن العربي كله؟
كاتب وصحافي مصري