أعين العالم تتجه اليوم إلى الصين، وحال معظم الدول النامية يقول إن النموذج الصيني في التنمية الاقتصادية هو الأفضل وهو الذي يجب أن تحتذي به. بفضل النموذج الاقتصادي الصيني ستصبح الصين هذا العام ثالث أكبر اقتصاد في العالم متجاوزة ألمانيا في هذا الإطار من حيث الناتج القومي.

وما كان لهذا النمو المتزايد لمكانة الصين الاقتصادية العالمية أن تتحقق لولا وجود نموذج صيني تسير عليه الصين منذ فترة طويلة لاسيما منذ بداية حكم الزعيم دينغ تشاو بينغ في نهاية السبعينات من القرن الماضي حيث جاء ببرنامج الإصلاحات الأربع وأدخل فلسفة جديدة قوامها أن تطبيق الاشتراكية في الصين لا يمكن أن يكون كتطبيقها في الدول الاشتراكية الأخرى وإنما يجب تطويعها للتجربة الصينية.

فظهر مفهوم «الاشتراكية بصفات صينية»، وحق لنا القول اليوم بأن النموذج الصيني يمكن أيضاً أن يعتبر رأسمالية بمواصفات صينية أي أنها رأسمالية لكنها بشروط وتطبيقات تختلف عن الرأسمالية المتبعة في الدول الغربية وغيرها من الدول التي تتبع النهج الرأسمالي.

الاشتراكية الصينية أو الرأسمالية الصينية قائمة على إدخال أسس الرأسمالية في اقتصاد البلاد من دون فقدان دور الدولة التوجيهي. فالمعلوم أن الرأسمالية في الدول الغربية قائمة على أساس أن السوق يحدد قواعد اللعبة الاقتصادية.

وأن الدولة لا تتدخل إلا في الحالات القليلة جدا والتي تتمثل في وضع الأسس والأطر العامة لتنظيم عمل السوق؛ أما عن الاشتراكية فإنها تعمل على تعزيز دور الدولة في الاقتصاد ليكون دورها شاملاً ومتدخلاً في كافة نواحي الاقتصاد.

النموذج الصيني أخذ الوسطية بين الاثنين، بمعنى اعتمد على الرأسمالية باعتبارها جانبا هاما في تشجيع الاستثمارات الأجنبية التي يمكن من خلالها دفع عملية النمو الاقتصادي في البلاد، لكنه لم يترك الأمر بشكل شبه كامل للسوق كي يحدد نطاق عمل الرأسمال بل أخذ من الاشتراكية أهمية توغل الدولة في تسيير أمور الاقتصاد.

فالاقتصاد الصيني اليوم تحركه أسس الرأسمالية بتوجيه وسيطرة من الحكومة أو ما يعرف بأدبيات الاقتصاد الميركنتالية الجديدة، وهو ما لا يتقابل مع النموذج الرأسمالي التقليدي الذي لا يحبذ أبدا توغل الدولة في الاقتصاد.

فالقرارات الاقتصادية والسياسية في هذا الشأن في النموذج الصيني هي قرارات فوقية بمعنى أنها تأتي من الأعلى إلى الأسفل، وهي معادلة يقول الاقتصاديون إنها لا تساعد على نمو الاستثمارات الأجنبية ولا تساعد على نمو الاقتصاد بشكل كبير، إلا أن الصين تعطينا مثلاً قوياً بأن هذا الحديث غير صحيح وأن الاقتصاد الموجه من قبل الدول مع بعض عناصر النظام الرأسمالي من الممكن أن يحقق نجاحات تنموية قوية.

النموذج الصيني هو تحدٍ صارخ وقوي للنموذج الغربي الذي يحاول أن يبين لنا بأن الرأسمالية هي الحل الوحيد نحو الازدهار والنمو والتقدم الاقتصادي وأن غير ذلك من نماذج تتدخل من خلالها حكومات الدول بشكل مباشر في اقتصاداتها لن تؤدي إلى تحقيق تنمية ناجحة. الصين تؤكد خطأ تلك النظرية وتعزز نظرتها بأن هناك وسيلة أخرى يمكن من خلالها لحكومات الدول أن تتدخل في تسيير اقتصادها وتنجح في ذلك.

هذا النموذج الصيني هو مثال ناجح لجميع الدول النامية بما فيها الدول العربية التي عليها أن تأخذ به. فالأنظمة السياسية في دول العالم العربي شبيهة بالنظام السياسي في الصين من حيث احتكاره للسلطة وتقييد الحريات السياسية والمدنية على شعوبه.

لذلك فتدخل الدولة في شؤون المواطن هو أمر طبيعي في الدول العربية تماما كما هو طبيعي في الصين، لذلك فنحن بتكويننا أقرب إلى أن ننجح في تطبيق النموذج الصيني عن النموذج الغربي الذي يتطلب معايير حريات واسعة لا تتمتع بها الدول العربية.

لكن الدول العربية ليست بحاجة فقط إلى اتباع النموذج الصيني في أن تكون الدولة مسيرة لقطاع الاقتصاد في البلاد بل عليها أيضاً أن توفر الفرص المشجعة على الاستثمارات الأجنبية كي تأتي إلى البلدان العربية.

فالحقيقة هي أن الصين نجحت في نموذجها الاقتصادي الموجه لأنها نجحت في استقطاب الاستثمارات الأجنبية بشكل كبير نظرا لوجود الأيدي العاملة الماهرة والرخيصة ونظرا لوجود التعداد السكاني الكبير ونظرا لوجود الرغبة في الحصول على الاستثمارات الأجنبية.

ولعل وجود أنظمة سياسية أو قيادات سياسية عربية ذي نهج ثابت وواضح ومقتنع بالنمو الاقتصادي وتشجيع تدفق الاستثمارات هو أمر مشجع لمثل تلك الاستثمارات أن تأتي إلى الدول العربية تماما كما هو الحال مع قناعة قيادة الحزب الشيوعي الصيني بأن نمو الاقتصاد هو مسألة حياة أو موت بالنسبة له باعتبار أن المليار وثلاثمئة مليون شخص قد يتحولون إلى أداة رفض للنظام في حالة تدهور حالتهم الاقتصادية بشكل كبير.

النموذج الصيني نموذج ناجح جداً ولعل الدول العربية ستجد فيه أفضل الخيارات نحو بناء اقتصاداتها. فالظروف التي مر بها النموذج الصيني قريبة من الظروف التي يمكن أن تمر بها الدول العربية في نموها الاقتصادي، حيث أن الصين قريبة في هيكلها إلى الدول العربية منه إلى الدول الغربية.

ولعل لنا في سنغافورة أفضل مثال نحو نجاح النموذج الصيني، فسنغافورة لم تتطور إلا بذات الأسلوب القائم على تطويع الرأسمالية للظروف السنغافورية، وهذا ما نحتاجه نحن في العالم العربي من حاجة إلى تطويع الرأسمالية الغربية لظروفنا نحن الخاصة كي تستطيع أن تعمل وتنجح.

وفي عالمنا العربي العديد من النماذج الناجحة التي تقتدي بالنموذج الصيني كالإمارات والسعودية وقطر والأردن، ولكن نحن بحاجة إلى الدول العربية الأخرى أن تنتهج ذات النهج بكل حماس وشفافية وليس فقط بشعارات فضفاضة وممارسات لا تشير إلى الرغبة الفعلية والحماسية بل تشير إلى غياب الشفافية ودخول الممارسات الفاسدة في تطبيق ذلك النموذج.

ولعلنا نذكر أن الصين تنفذ حكم الإعدام وحكم السجن في حق مسؤوليها الفاسدين أكثر من أي دولة أخرى في العالم، بمعنى أن النموذج الصيني لا يمكن أن يقبل ممارسات خاطئة من بعض المسؤولين بل لا بد أن تكون المسؤولية والشفافية مرتكزا لعمل أولئك المسؤولين كي ينجح النموذج الصيني، وهو مطلب ضروري أيضاً لكل من يريد أن يتبع النموذج الصيني

قسم السياسة - جامعة الإمارات

binhuwaidin@hotmail.com