لنعترف أولاً بأن الوضع العربي الراهن لا يسرّ إلا أعداء العرب، وفي مقدمتهم إسرائيل والدول العظمى التي تدعمها وتبارك إرهابها وإجرامها وعدوانها.

أكثر من ذلك: لنعترف بأن هذا الوضع الراهن هو الأسوأ في التاريخ العربي، وأن الخلافات العربية ـ العربية تبدو اليوم وكأنها مستعصية على الحل، وكأن العرب ـ أو بعضهم ـ سعداء بهذا الأمر ويريدون تكريسه، لتصبح الحالة الطارئة والشاذة، هي السمة الرئيسية والراسخة و«الطبيعية» في العلاقات العربية. ‏

وللأسف الشديد هناك في بيتنا العربي من يسهم إسهاماً فعالاً في تنفيذ السياسات والمشاريع المعادية للأمة العربية، ويعمل على توسيع الثقوب في السفينة العربية بحجة أنه يمتلك أسهماً فيها، ولا يهم بعد ذلك إن غرقت السفينة بمن فيها وعليها. ‏

فإسرائيل التي اغتصبت فلسطين من النهر إلى البحر، وتفتك بالفلسطينيين صباح مساء وتعتدي على لبنان على مدار الساعة، وترتكب المجازر بحق العرب من دير ياسين وقبية وكفر قاسم، إلى عمليات الاغتيال المتنقلة في العديد من العواصم العربية والأوروبية، وصولاً إلى قانا والمنصوري ومدرسة بحر البقر ومخيم جنين وإعدام الأسرى المصريين، إسرائيل هذه صارت بقدرة قادر حملاً وديعاً على العرب أن يمدوا الجسور معه، ويصادقوه، ويعادوا من يعاديه حتى لو كان شقيقاً. ‏

صار علينا، بأوامر دولية وتسليم عربي، أن نقيم معه أفضل العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية وغير ذلك، دون أن نكلف أنفسنا عناء المطالبة بأرضنا وحقوقنا المغتصبة، بل أن نسلم رقاب الشعب الفلسطيني في فلسطين المحتلة عام 1948 إلى سكين الجزار لأن إسرائيل يجب أن تكون «دولة يهودية»! ‏

أما الولايات المتحدة فهي الصديق الأول للعرب والحريص على حقوقهم وحريتهم وديمقراطيتهم المصنَّعة في أروقة الاستخبارات الأميركية. ‏

هكذا يجب أن ننظر إلى الولايات المتحدة، ونعتبرها الأخ الأكبر الذي يعمل على حمايتنا من أنفسنا ومن جيراننا، وبالتالي يجب أن ننسى الاستعمار الأميركي «الأخوي» للعراق، وأن نتجاهل المشاركة الأميركية الفعلية في عدوان تموز 2006 على لبنان، وننظر بإيجابية إلى موقف إدارة بوش الداعم من دون حدود للعمليات العسكرية الاسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني باعتبارها حقاً مشروعاً للدفاع عن النفس، وأنها تندرج في إطار الحرب الاميركية المعلنة ضد الإرهاب. ‏

لا نستغرب أن تعمل إدارة بوش وقادة تل أبيب على تكريس حالة الانقسام والتشرذم والخلافات بين العرب، وكنا سنستغرب لو حدث العكس، لكن الغريب والخطير هو موقف بعض الأشقاء العرب. فمنهم من يؤمن بالفتاوى الأميركية ويلتزم بها عن طيب خاطر، ومنهم من يعلن عجزه عن مواجهة المخاطر، فالعين لا تقاوم المخرز.!! ‏

من المحزن والمخزي معاً ألا يدرك العرب مدى قدرتهم على صنع التاريخ المشرف لأمتهم، وألا يعرفوا مقومات القوة التي يتمتع بها الشعب العربي لمجابهة المخططات والمشاريع الوافدة أو المقيمة، ولو أخذوا العبرة من تجربة المقاومة الوطنية اللبنانية في جنوب لبنان، والصمود الفلسطيني المذهل في القطاع والضفة، لما رفعوا الرايات البيضاء واستسلموا أمام عدوهم ولما احتضنوا قاتلهم وصافحوا اليد الملطخة بدمائهم. ‏

على هؤلاء الأشقاء إعادة قراءة تقرير فينوغراد بتمعن وهدوء لمعرفة المعجزة التي صنعها بضعة آلاف مقاتل مؤمن بقضيته وعدالتها، بجيش جبار يقال إنه لا يقهر وهو أقوى جيوش الشرق الأوسط، بل هو يحتل المرتبة الخامسة بين جيوش العالم. ‏

الأشقاء العرب ـ أو بعضهم ـ لا يدركون هذا العامل الحاسم في قوتهم، ولا يريدون أن يدركوا القوة الاقتصادية الهامة التي يمكن أن توظف في معركتهم وفي مقدمتها النفط، ولنتذكر سلاح النفط في حرب تشرين التحريرية عام 1973، كما أنهم لا يعترفون بأن الآخرين يحتاجون إليهم، وأن الأسواق العربية تستورد بضائعهم، وتملأ خزائن الغرب بالدولارات والذهب والفضة، في حين تدور عجلة المصارف الغربية بعوائد النفط العربي. ‏

هناك من لا يريد أن يرى هذه المعطيات، ويدعونا إلى التسبيح بحمد أميركا وبركاتها، والانحناء أمام العواصف الاسرائيلية، بل التصالح مع اسرائيل حتى لو كان ذلك يعني التخلي عن الأرض والحقوق والكرامة، وتطويب المنطقة العربية باسم المنظمة الصهيونية العالمية. ‏

وإذا كان العرب اليوم في هذا الوضع المخيب لآمال الشارع العربي، فإن الرهان لا يزال قائماً على عناصر القوة العربية التي يمكن أن تغير المعادلات، ويمكن أن تجعل العرب صناّع قرارات وتاريخ، وليسوا فقط متلقين ومأمورين ومنفذين لما يملى عليهم، ومستسلمين لمصير يريده لهم الأميركي والاسرائيلي. ‏

العرب اليوم أمام مرحلة مفصلية حاسمة عنوانها قمّة دمشق، والشعب العربي ينتظر أن تكون هذه القمّة بداية نهوض عربي، ولا نظن أن الشارع العربي سيتسامح مع الذين يحاولون تضييع فرصة هذه القمّة، أو الذين يضعون العراقيل والعقبات في طريق عودة الوعي العربي. ‏

وسورية مصمّمة على أن تكون قمّة دمشق من أنجح القمم العربية، بغض النظر عن كل ما يجري على الساحة العربية، وعن كل المحاولات المحمومة التي تبذلها القوى المعادية للعرب، والتي يسوءها ويغضبها أي تقارب وتضامن بين أبناء الأمة الواحدة. ‏