قبل نحو عام وأكثر، وفي حمأة نقاش عن الوضع الفلسطيني جاء من ألقى على مسامعي بهذه الكلمة: «ابومازن بهائي». وبشكل تلقائي وفي أجزاء من الثانية،لم تجد ذاكرتي ما تستدعيه سوى تلك التهمة المماثلة التي قيلت بحق القيادي الفلسطيني المرحوم صلاح خلف (أبو أياد) وهي أنه يهودي، أو بالأصح أن والدته يهودية.

لكن ذلك التشنيع بأبو أياد لم يكن دعاية إسرائيلية، بل مفردة انطلقت وظلت تتردد دوما في أدبيات جماعة الراحل صبري البنا (ابونضال). مع اشتداد الحرب بين الرجلين، لم تكن نشرات جماعة ابونضال تذكر ابواياد بالاسم بل «ابن اليهودية».

وذات يوم، وجدت في بريدي الإلكتروني بضع سطور أرسلها صديق لي تتحدث عن ما يشبه الاكتشاف بأن جذور ياسر عرفات تعود إلى يهود المغرب. كان صديقي الذي أرسل لي تلك السطور يبدو مبتهجا يعيش شعور من انتصر في جدل ووجد أخيرا ما يدعم انتقاداته السياسية للراحل ياسر عرفات.

بالطبع، أرسل لي أصدقاء آخرون نفس تلك السطور، فمثل تلك السطور بما فيها من تفسير غرائبي وغيبي أحيانا تثيرنا أكثر من التحليل العقلي البارد. نحن مازلنا نرى في مثل تلك الدعايات والتشنيع نوعا من اكتشاف مثير أمام حالة من الاستعصاء تلف الوضع الفلسطيني، أكثر ما يختزل احباطاتنا الشاملة ويجعلها مكثفة وشاخصة بقوة.

أمام كل مثال من تلك الأمثلة السابقة، أتذكر تلقائيا ما كتبه ضابط الموساد السابق فيكتور أوستروفسكي في كتابه «الموساد من الداخل» وهو يتحدث عن تلك الوحدة المتخصصة في الموساد بنشر الدعايات المضادة للفلسطينيين خصوصا وللعرب بشكل عام.

المفارقة أن أوستروفسكي قدم مثالا على هذه الدعايات وهي ولع الراحل عرفات بالتقبيل وتصويره باعتباره يعبر عن ميول جنسية شاذة وغير سوية.إن أوستروفسكي يضع ذلك في صيغة واضحة من الاعتراف والمجاهرة عندما يستخدم كلمات من هذا النوع «نحن الذين أطلقنا ذلك على عرفات».

رغم هذا، ظل التندر والنقد الموجه لعرفات أيا كان مستواه يستدعي أحيانا تلك التشنيعات، بل راحت صورته أمام ملايين العرب تتشكل يوما بعد آخر وفق هذه الصورة التي رسمتها دعاية أطلقها جهاز الموساد الإسرائيلي. يمكنك أن تسمع هذا من خليجي ومصري ومغربي وسوري وعراقي وأردني وفلسطيني أيضا، لا فرق وهنا تكمن المأساة.

دعاية البهائية التي ترددت ضد ابومازن فيها خلل بنيوي أساسي وهي بعيدة أيضاً عن قواعد الدعاية التي وضعها بول جوزيف غوبلز وزير الدعاية النازي العظيم الذي مازالت القواعد التي أرساها في الدعاية حية حتى اليوم وتستخدمها جميع الحكومات والأجهزة الاستخباراتية.

بما فيها أجهزة أعرق الدول الديمقراطية بل أن الخطاب السياسي الغربي والأميركي تحديدا نموذج حي للقواعد التي أرساها غوبلز في الدعاية. لكن التشنيع ببهائية مزعومة حول ابومازن دعاية تنم عن قليل من الجهل، ذلك أن من يعرف أبسط مبادئ البهائية سيدرك حتما خلل تلك الدعاية لأن واحدة من أهم مبادئ البهائية هي النأي عن السياسة وعدم التعاطي معها قطعيا.

لكن السؤال الذي يتجاوز هذه التفاصيل مقلق إلى أبعد الحدود: لماذا نتلقف الدعاية بسهولة؟ لماذا تبدو أذهاننا مستعدة دوما للتفاعل مع الدعاية وتنفر من التحليل العقلي؟. وسواء تعلق الأمر بخطاب الرئيس العراقي الراحل صدام حسين وجهاز الدعاية في أيامه.

أم بالدعايات التي تلتصق بالفلسطينيين، تبقى حقيقة أساسية هي أننا لم نثبت بعد أن بإمكاننا بناء تصوراتنا وقناعاتنا ومعلوماتنا على قاعدة من الحقائق والمعلومات والتقصي والتحليل عوضا عن الدعاية رغم ما فيها من لا معقول أحياناً ومبالغة بل وحتى هذيان.

ولو كان الأمر يتعلق بالبسطاء من الناس لكنا قد وجدنا التفسير ولربما العذر، لكن هذا الميل المتأصل لتلقي الدعاية على حساب الحقائق والتحليل تجده عند مثقفين وصناع رأي عام من صحافيين وكتاب أيضا، وتلك الدعايات والرسائل وصلتني من هذا النوع من الناس.

إن تداول تلك الدعايات بين هذا النوع من الناس يتعدى التسلية، فأحيانا قد نضحك من لقطات قصيرة تدخل فيها المونتاج بالفيديو مأخوذة من التلفزيون الإسرائيلي ومتداولة على الانترنت يظهر فيها عرفات وهو يقبل المطران هيلاريون كبوجي أكثر من مرة على وجنتيه وعلى جبينه.

لكن والتكرار «المفتعل» في الشريط واستخدام المونتاج لتغيير شكل القبلات يستجيب لقاعدة غوبلز الذهبية حول تكرار الكذبة كي يسهل تصديقها. أما الصدمة، فهي أن الكثيرين يقعون تحت سطوة الدعاية وما يبدو أنه هزل وضحك بريء سيتحول لاحقا إلى حقيقة قابعة في الأذهان سرعان ما ستجد اللحظة المناسبة لكي تظهر والمفارقة أنها تظهر وسط جدل يفترض أنه جدل عقلي قائم على أدوات تحليل منطقي.

مثل هذه الذهنية التي تستجيب للدعاية هي نفسها التي تصيغ الجدل العام وتختزله دوما في صورة مخلة إلى أبعد الحدود. ومثلما وجدنا أنفسنا في أغسطس 1990 أننا أمام واحد من اثنين إما مع العراق أو مع أميركا، فإن الأمر نفسه يتكرر الآن مع الانقسام الفلسطيني: إما مع السلطة وإما مع حماس. ولكلا الخيارين تفسير مختزل أيضاً: السلطة مع أميركا وحماس مع المقاومة.

أي موقف عقلاني آخر لا يستقيم ولا يجد استجابة لدى هذه الذهنية، فالمطالبة مثلا بالنقد الذاتي وتحمل المسؤولية وتصحيح الأخطاء كلها عبث بالنسبة لذهنية مثل هذه. إنها نفس الذهنية التي ظلت تمارس هجاء مريرا غير سوي ضد ياسر عرفات وعادت الآن لتتذكر أن الرجل مات محاصرا في غرفة مهدمة بفعل القذائف الإسرائيلية لمدة عامين وأكثر وقضى نحبه مسموما.

هذه حقيقة لا تفيد شيئا في النقاش ولا في دفع تلك الذهنية لإعادة النظر في شيء، أي بعبارة أخرى، فإن الإحساس بالمسؤولية ليس في الحسبان.ومثل تلك الأمثلة الشاخصة حول تلقف الدعايات بسهولة لا تدفع بعد لإعادة النظر في شيء رغم أن الاستدلال العقلي يدحضها تماما. ماذا تبقى إذن للنقاش؟

كاتب بحريني