اقتضى الأمر ثمانية عقود فحسب، ولكن النبوءة الذكية التي تنبأ بها ه.ل. منكن حول المسار المستقبلي لسياسات الرئاسة الأميركية واتجاه الناخبين فيما يتعلق باختيار المرشحين قد تحققت. في 26 يونيو 1920.

كتب هذا الكاتب البارع يقول في صحيفة «بالتيمور صن» ما يلي: تدل كل المؤشرات على أن الأمور تتجه إلى أن تصب لصالح الرجل الأكثر براعة ووسطية، الرجل الذي يستطيع بأكبر قدر من السهولة إشاعة الاعتقاد بأن ذهنه هو فراغ فعلي.

والرئاسة تميل، عاماً بعد آخر، إلى مثل هذه النوعية من الرجال. وفيما تصل الديمقراطية إلى الكمال، فإن هذا المنصب يمثل بدرجة أكبر الروح الداخلية للشعب. ونحن نتحرك باتجاه مثال أعلى رفيع. وفي يوم عظيم ومجيد فإن الناس العاديين في هذه البلاد سيحققون مبتغاهم أخيراً، وسيزدان البيت الأبيض بأحمق لا موضع للتشكيك في حمقه.

وقد خرج زميلي الراحل ليون دانييل، الذي كان أسطورة من أساطير صحافة وكالات الأنباء على امتداد 14 عاماً في وكالة يونايتد برس خرج من هذا المقتطف من أقوال منكن منذ سنوات عديدة ووجد أنه ينطبق تمام الانطباق على بوش صانع القرار الأميركي. وقد أبرزت كيث أولبرمان من محطة إم إس إن بي سي هذا المقتطف قبل أيام.

إن البيت الأبيض يزدان الآن بالرجل الذي تحدث عنه منكن وقد كان كذلك على امتداد أكثر من ست سنوات مؤلمة. ولن يكون أمراً سيئاً إذا كان لدى ساكن البيت الأبيض من الفطرة السليمة ما يدعوه بأن يحيط نفسه بمستشارين أذكياء وأكفاء وشرفاء وأن يصغي إليهم. ولكنه لا يتمتع بالفطرة السليمة.

لقد جلبنا على أنفسنا جورج دبليو بوش وذلك بمساعدة محدودة من السياسيين الجمهوريين والمحاميين المراوغين وبعض المنتمين إلى الهيئة القضائية وقد سار بعناد على إيقاع طبله المكسورعاماً بعد آخر، مراكماً سجلاً لا مثيل له من الإخفاقات والكوارث لم يسبقه إليه أحد في تاريخ أميركا الطويل، وقد ورث ميزانية متوازنة وديناً وطنياً يمكن التحكم به.

وفي غضون ست سنوات لا أكثر جعل الولايات المتحدة الأميركية تفلس فعلياً وأثقل كواهلنا بدين في حدود 9 تريليونات دولار وهو مبلغ يفوق ما راكمه الرؤساء الـ 42 الآخرون الذين حكموا أميركا طوال قرنين وربع القرن.

لقد كان هذا الرجل القادم من كراوفورد في ولاية تكساس روبن هود بالمقلوب منذ اليوم الأول فقد سرق من الفقراء وأبناء الطبقة المتوسطة لكي يعطي الأغنياء والجمهوريين. وعندما بدأت فواتير تلك التخفيضات الضرائبية الانتقائية وحرب الاختيار في العراق في المجيء، بادر الرئيس الأميركي بالتوقيع على فواتير مديونية بقيمة تريليون دولار وهذه الفواتير موجودة الآن في يد حليفنا التقليدي وهو الصين الشيوعية.

وعلى الرغم من أنه أغوى القاعدة الجمهورية المحافظة بالحديث عن معارضته للحكومة الكبيرة، إلا أنه تولى رئاسة حكومة أكثر توسعاً حتى من تلك التي تولى فرانكلين روزفلت رئاستها بنهجه الجديد.

وفي مواجهة مأساة هجمات الحادي عشر الإرهابية التي تعود في جانب منها إلى بيروقراطية اتحادية كثيفة، لا مجال لاختراقها والتي لم تعرف ما كان معروفاً لديها وما كانت لتشارك فيه حتى لو كانت تعرفه ـ في مواجهة هذا كله أنشأ الرئيس الأميركي بيروقراطية هائلة، أكثر كثافة وأقل فعالية وأكثر تكلفة هي وزارة الأمن الوطني.

وبعد أن قام الرئيس الأميركي بخطوة واحدة، وهي إسقاط طالبان وطرد القاعدة وأسامة بن لادن وأعوانه من أفغانستان رداً على أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ارتد الرئيس والحشود المحيطة به على أعقابهم، من دون أن ينجزوا المهمة الأولى وقرروا أن يغزوا العراق الذي لم تكن له علاقة بالمرة بالهجمات على أميركا.

وبجرة قلم واحدة من جورج بوش انتقلت أميركا من كونها أمة لا تثق في التشابكات الخارجية ولا تخوض الحروب إلا عندما تتعرض إلى أشد الاستفزاز لتصبح أمة تهاجم أولاً ومن دون سبب يتمتع بالمصداقية، اكتسحت جرة القلم تلك نفسها وسنوات الحرب التي أعقبتها في العراق كل ما بقي في رصيدنا المتعلق بحسن النوايا حيال بقية العالم.

فالمدينة المتعلقة على التل ارتدت الزي العسكري ومضت إلى الحرب في الوقت الخطأ وفي المكان الخطأ وضد الشعب الخطأ. والآن يمكن لجورج بوش أن يتفاخر باعتباره رئيساً لأميركا في زمن الحرب ويمكن أن يقدم نفسه بحسبانه صانع القرار في أميركا، ويمكن أن يقرر أي الأجزاء من الدستور الأميركي ومن قانون الحقوق اللذين اشترتها بثمن غال أجيال من الأميركيين سوف يعطيها أو ينتزعها.

لقد مضت دواليب المجمع الصناعي العسكري في الدوران بأقصى سرعتها مع قيام المتعاقدين على المشروعات الدفاعية في التنافس على الأماكن التي يحتلونها مكبدين دافعي الضرائب مبالغ تصل إلى نصف تريليون دولار سنوياً وقام السياسيون الجمهوريون بحلبهم جميعاً مثل بقرات هولشتاين وانطلق أعضاء اللوبي الجمهوري إلى الكابيتول هيل.

ليشتروا أعضاء الكونغرس بالنصف دزينة للإبقاء على تشغيل هذه المضخات، عندما كان سبب من أسباب الحرب في العراق يفشل في تبريرها، وهي قد فشلت جميعها، وإن الرئيس بوش وجنراله المفضل كان بوسعهما دوماً المجيء بسبب تلو الآخر لإبقاء ماكينة الحرب على دورانها.

وفي غضون هذه الكارثة الوطنية المستمرة أبقى بوش من حوله مجموعة من الأشخاص غير الأكفاء والمنظرين الأيديولوجيين الذين يحرصون عما لا سبيل إلى الدفاع عنه وتبرير ما لا سبيل إلى تبريره. ومضوا يتحدثون عن تألق ملابس الإمبراطور ويهمسون قائلين انه على حق وأن الله سيجعله يتألق في أميركا.

وربما كانت الضربة التي توجت هذا كله قد جاءت عندما كشف النقاب عن صانع القرار الأميركي ليتلقى نصيحته الإستراتيجية من هنري كسينجر، الرجل الذي وقف وراء القتل الجماعي في كمبوديا والمذابح بالجملة في تشيلي والتخلي عن أسرى أميركيين في لاوس وخيانة فيتنام الجنوبية والذي حصل على جائزة نوبل للسلام.

ألا فليكن الله في عوننا

خدمة «لوس أنجلوس تايمز» خاص ل: «البيان»