أًخذ الكثير من المشتغلين بالشأن العام في المنطقة العربية في عقدي السبعينيات والثمانينيات بالنموذج الثقافي والسياسي الكويتي. فالكويت كانت، وبفعل مساحات الحرية المتاحة فيها وبفعل القوة السياسية التي مثلها البرلمان الكويتي بقواه السياسية المختلفة في مقابل السلطة التنفيذية.

بالإضافة لقوة الثقل الثقافي والسياسي الذي مثلته الصحافة الكويتية،إحدى الواحات القليلة في المنطقة العربية، بعد العاصمة اللبنانية بيروت، التي مُثلت فيها الحرية التعبير والكتابة السياسية بمساحات بالغة الاتساع، إذا ما قورنت بالكثير من المواقع في المنطقة العربية والتي كانت وبفعل الطبيعة السياسية للأنظمة السياسية العربية بالإضافة لطبيعة المرحلة السياسية التي كانت المنطقة تمر بها ذات مساحات من الحريات السياسية والتعبيرية تضيق حتى على النفس.

وقد أعطى الوجود العربي الكبير في الكويت قبل الغزو العراقي لها في عام 1990 قوة وثقلا ثقافيا كاد أن يقارع المراكز الثقافية العربية التقليدية في بلاد الشام ومصر. وإذا ما كانت الكويت قد فقدت جزءا صغيرا أو كبيرا من الدور الثقافي الذي كانت تضطلع به في تلك الفترة.

رغم استمرار إصداراتها الثقافية المعروفة، إلا إنها ومع ذلك مازالت تمثل إحدى الدول العربية القليلة التي يتمتع فيها الفرد بهامش ليس ببسيط من حرية التعبير السياسي، كما أن مجلسها التشريعي يمثل احد المجالس التشريعية القليلة في المنطقة العربية الذي تلعب فيه السلطة التشريعية دورا تشريعيا ورقابيا مهما، فٌسر في بعض حالاته بأنه أقوى في ذلك من قدرات السلطة التنفيذية فيها.

وهي حالة رغم كثير من النقد الذي يوجه لها في الداخل أو الخارج إلا أن برلمانها مثل فيها قوة تشريعية تندر أن تقاربها البرلمانات العربية الأخرى والتي عرفت في الكثير من الكتابات بحالتها المدجنة. وتبدو المفارقة في أن ذات القوى التي تتسم بالقوة هناك قد اتسمت في بعض البلاد العربية بالنزوع المصلحي.

وإذا ما كانت الكويت ببرلمانها قد مثلت نموذجا رغبت بعض الشعوب في المنطقة بمثله في ديارها، فإن نموذج دبي في النهوض الاقتصادي قد بات يشكل أحد النماذج المهمة في الصعود الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط. فقدرت هذه الإمارة الصغيرة على حفر اسمها في خارطة البلاد الصاعدة اقتصاديا في المنطقة خلال العقدين الماضيين لم يكن في جله عملا سهلا.

إنما كان هذا الصعود رغم ما قد يثار من تكلفة اجتماعية عالية، إلا إنه يسجل بحق عملا مهما في الصعود الاقتصادي باتت بعض أقطار المنطقة الأخرى تأخذ ببعض سماته. وككل عمليات الصعود الاقتصادي فقد مثلت سياسة رفع الحواجز وفتح الأبواب أحد أهم مداخل نجاح تجربة إمارة دبي.

ففي الوقت الذي دخلت بعض دول المنطقة في جدل ونقاش حاميين بين مؤيد ومعارض حول موضوع التكلفة السياسية والاجتماعية لتبني سياسة الانفتاح،تبنت دبي وبشكل سريع قرار الدخول وبقوة في العالم الجديد المعولم، حتى باتت تمثل، وبفعل هذا الدخول، أحد أهم المراكز التجارية العالمية، بل حتى باتت تمثل احد أهم المراكز التجارية العالمية.

وأحد أهم المراكز العربية في استقطاب رأس المال الأجنبي. بل أصبحت الأسماء التجارية الدبوية المعروفة وخلال العقد ونيف عقد الماضي من الأسماء التجارية المتعددة النشاط الاقتصادي في المنطقة العربية. ويكفي الإشارة إلى أن استثمارات بعض هذه الشركات المعروفة مثل الفطيم والحبتور وغيرهما يصل لعشرات المليارات من الدولارات في مجال العقار والفندقة والتجارة.

بل ويتجاوز عدد العاملين لديهم العشرات من الآلاف من العاملين،بل وتتعدى إستثماراتهم الاقتصادية المنطقة وهي تكاد أن تشمل العالم. و خلاصة القول إن دول الخليج العربي الصغيرة قد استطاعت أن تسجل في رصيدها السياسي والاقتصادي الكثير من الصعود الذي لم تستطع الدول الكبيرة تحقيقها على المستوى القومي. وهو صعود قد لا يكتمل إلا بتحقيق قدر من التوازن في مساراته الثقافية والسياسية.و هي مسارات لا أعتقد بأنها بعيدة عن الرؤية العامة لهذا الصعود.

كاتب بحريني