منذ أن دخل العالم عصر البث التلفزيوني المباشر بالأقمار الصناعية ابتداءً من عام 1990 تخوفت الأنظمة الاستبدادية العربية واعتبرته نذير شؤم، فهو عصر الفضائيات التي تخترق الحدود الجغرافية وتبث على مدار الساعة. ومع مرور السنين تحول الخوف الرسمي العربي إلى حالة ارتعاب متزايد.
هذه هي الحقيقة الأساسية التي ينبغي أن ننظر من خلالها في وثيقة «تنظيم» البث التلفزيوني والإذاعي التي أقرها اجتماع لوزراء الإعلام العرب هذا الأسبوع. وابتداءً نقول إن عبارة «تنظيم» تدخل في باب التضليل اللفظي التقليدي الذي تتميز به قرارات وبيانات الجامعة العربية من مستوى المندوبين إلى مستوى القمة.
فالوثيقة الجديدة يقصد بها في حقيقة الأمر تقييد الحرية الإعلامية التي أتاحها عهد البث المباشر بالأقمار، وقبل حلول هذا العهد وما ترافق معه من مستحدثات تكنولوجية في مجال الاتصالات ـ كالهاتف الجوال الذي تستطيع أي قناة تلفزيونية عن طريقه أن تجري مقابلة مع أي شخص في أي مكان وأي زمان في العالم ـ
كانت الأنظمة العربية تمارس السعادة الإعلامية «السادية» بتملكها خدمة الراديو والتلفزيون وبالتالي احتكارها للإعلام الالكتروني داخل الدولة مع احتكارها جنباً إلى جنب الصحافة المطبوعة أو السيطرة عليها.
الآن وبعد ثمانية أعوام من الحيرة في كيفية التعامل مع الثورة الإعلامية العالمية الجديدة التي أنجبت عصر الفضائيات تراءى لبعض الحكومات العربية أن بوسعها أن تفرض قيوداً عليها باتخاذ موقف جماعي. ومن هنا كانت وثيقة «تنظيم» البث التلفزيوني والإذاعي، لكنه تحرك أشبه بمحاولة من يريد صد تيار نهري بقطعة من خشب.
تنظيم الحرية الإعلامية من حيث المبدأ أمر لا غبار عليه، بل هو مطلوب ومرغوب فيه ـ حتى لو أنطوى على تقييدات، ومن بين المبادئ التي تحويها الوثيقة ما يلي:
منع التحريض على فساد الأخلاق مع الالتزام بالقيم الدينية والأخلاقية للمجتمع العربي.
ضرورة الالتزام بالموضوعية والأمانة واحترام كرامة الدول والشعوب وسيادتها الوطنية.
ومع وجود أكثر من 400 قناة تلفزيونية عربية هناك الكثير من سقط القول والفعل في المجالين السياسي والأخلاقي من خلال برامج وحوارات وأفلام وعروض ترفيهية، لكن هل بوسعنا افتراض حسن النية ونبل المقصد في التحرك العربي الحكومي لفرض قيود ما من أجل الارتقاء بمضامين الحرية الإعلامية؟
ماضي وحاضر بعض الأنشطة العربية الحاكمة لا يوحي إطلاقاً بشيء من هذا، هذه الأنظمة ضد حرية التعبير من حيث المبدأ. ولذا فإنها تريد إعلاما ذا اتجاه واحد يتستر على سلوكياتها ويعزف عن كشف ممارسات الفساد السياسي من خلال الرواية الإخبارية والتحقيقات الاستقصائية والحوارات المفتوحة،
وبالرغم من أن الوثيقة تنص على منع التحريض على فساد الأخلاق وعلى الالتزام بالقيم الدينية فإن مما يلائم الأنظمة الاستبدادية تشجيع العروض الإباحية لتجتذب جمهور المشاهدين بعيدا عن القضايا والشؤون السياسية الجادة.على أية حال لن تستطيع الدول العربية صد البث الفضائي فحتى لو ضايقت دولة عربية قناة تلفزيونية تبث من على أراضيها فإن بوسع القناة أن تنتقل إلى أي مكان آخر في العالم.