يظهر أن الكتل السياسية في لبنان اتفقت على إبقاء الوضع السياسي الراهن على ما هو عليه مما يضع هذا البلد أمام مصير مجهول مفتوحا على احتمالات خطيرة من شأنها أن تعيده إلى حالة الفوضى والاقتتال.
المشكلة الرئيسية في لبنان ليست مواقف الكتل السياسية الموالية والمعارضة وتباينها من الفراغ الرئاسي، بل المشكلة، في زعماء هذه الكتل التي يظهر أنها لا تزال تحمل أحقادا سابقة وترى الوقت حان لتصفية الحسابات بالتي هي أحسن أو بالتي هي أخشن من دون الاكتراث لمصلحة لبنان بدليل فشل جميع الجهود العربية والدولية في التوصل إلى حل للأزمة، فلا يعقل أن يظل بلد من دون رئيس يدير شؤونه..
لكن يظهر أن زعماء الكتل السياسية لا تكترث لخطورة استمرار الفراغ الرئاسي وما سوف يتمخض عنه من انزلاقات قد تعصف بالبلد كله. لقد أصبح لبنان شبيها بأفغانستان بعد خروج السوفييت منه، الجميع يسعى للاستحواذ على السلطة لوحده وينظر على أنه الأكثر وطنية وكفاءة من الآخر،
ولكن يظهر أن أمراء حرب أفغانستان قد تمتعوا بنضج سياسي أفضل من أمراء حرب لبنان السابقة، على الأقل هم تنحوا جانبا فاسحين المجال لقيادات جديدة تدير شؤون افغانستان، بينما لبنان قياداته تحن لعهد الحرب الأهلية حيث الجميع واضع يده على الزناد وينتظر اللحظة لإطلاق الطلقة الأولى والتي سوف تسقط لبنان في مستنقع خطير لا قدر الله يدفع ثمنه شعبه لاغير.
ما هو محير أن الجميع متفق على اسم الرئيس ولكن الجميع يختلف في طريقة الاتفاق بحيث يتعاملون مع لبنان وكأنه كعكة كبيرة كل واحد يدعي أحقيته في النصيب الأكبر منها مع أن هذه الكعكة ملكا للجميع، بمعنى آخر، يتعامل أمراء الحرب السابقة في لبنان مع الأزمة بمنطق الحروب حيث الجميع يلهث للظفر بالغنيمة والغنيمة طبعا هي لبنان من دون النظر إلى ان هذه الغنيمة هي ملكا للجميع جميع الأحزاب دون استثناء.
الكاردينال بطرس صفير عبر بلغة بسيطة عن وضع لبنان بقوله «ان الجميع يشتركون في المشكلة لأن هذا يعبر عن مصالح أميركا والآخر عن مصالح إيران وفرنسا ولا أحد منهم يعبر عن مصالح لبنان»، ويريد صفير ان يقول بأن لبنان تحول إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الدولية ولربما سوف تتطور الأوضاع إلى ما قد يجر اللبنانيين إلى حمل السلاح وتصفية حساباتهم السياسية والتاريخية.
ما من شك أن طبول الحرب بدأت تقرع وبات لبنان قريبا من حافة الهاوية وما تصريحات أمراء الكتل السياسية المتشدقين لكي يكونوا أمراء الحرب الأهلية إلا تأكيدا بأن برغبة هؤلاء هي الذهاب بلبنان إلى مستقبل مجهول.
وليد جنبلاط قال صراحة «بأن قوى 14 آذار مستعدة لمواجهة الحرب والفوضى وأن الفراغ الرئاسي اذا استمر والتسلح والتدريب اذا استمر والتخوين إذا استمر والاغتيال اذا استمر ستجر الجميع إلى الفوضى.. ووجه كلامه إلى حزب الله قائلا:«تريدون الفوضى أهلا وسهلا بالفوضى تريدون الحرب أهلا وسهلا بالحرب لا مشكلة بالسلاح ولا مشكلة بالصواريخ». هذا تصريح زعيم حزب سياسي قاله ولبنان جالس على برميل من البارود، فهل الوقت مناسبا ليلقي بقنبلة سياسية مثل هذه؟
من المؤسف بلد مسالم تتعايش فيه الديانات والطوائف العربية كعائلة واحدة يكون ضحية حسابات دولية وسياسية محلية، فليس من المقبول أن تعود عقارب الساعة إلى الوراء ويهد ما بناه اللبنانيون بعرقهم ودمهم طاوين صفحة مؤلمة من تاريخهم والأجمل تمكنهم من الثأر للشرف العربي بإخراجهم لإسرائيل من أرضهم، وبعد كل ذلك يفشل الزعماء السياسيون في اختيار رئيس للبنان مع اتفاقهم على مسمى شخص الرئيس.
الأكيد ان الشعب اللبناني الذي عزم على بناء مستقبله بيده سوف يجد حالا لتأزمه في حال فشلت الكتل السياسية في حل الأزمة ورفضت التنازل عن بعض مطالبها لصالح لبنان وفي حال التفتت إلى مصلحة لبنان ورمت مصالح الخارج،
ويتبقى الحل الأنسب لتجاوز الخلافات هو النظر إلى مصلحة لبنان وشعبه لا مصالح الدول والقوى الضالعة في الازمة فهذه تمسك بخيوط اللعبة وتضغط في اتجاه تازيم الوضع وإيصاله إلى حد يفقد فيه السياسيون اللبنانيون المقدرة على التفكير ولن يتبقى لهم خيار آخر غير التخطيط في المطابخ وتصفية الأمور.
فلا المساعي الأميركية ولا الفرنسية قادرة على إخراج لبنان من عنق الزجاجة التي وضع فيها غير مساعي الجامعة العربية فهي على الأقل تراعي مصالح لبنان أولا وكم هو جميل أن يلتقي السياسيون حول طاولة واحدة يتوسطهم أمين عام الجامعة العربية وتكون الصورة أجمل عندما نسمع اتفاق هؤلاء السياسيين على مخرج للأزمة وينتخبون رئيساً يفرح به الشعب اللبناني والعرب جميعاً هذا ما نتمناه...قريباً.
كاتب ومحلل سياسي جزائري