هل كان عنترة بن شداد العبسي منتجا أو مسوّقا لأحد أصناف معاجين الأسنان أو مبيّضات الأسنان وهو يصف في براعة مذهلة ابتسامة محبوبته، لا بالصورة المزودة بكل تقنيات التصوير المتطورة، بل بكلمات وحروف ظلت آلاف السنين تموج بالحركة والخيال والجمال.
إلى أن اكتشف الإنسان معاجين الأسنان في القرن العشرين وبدأت شركات الدعاية والإعلان تروّج لفاعليتها بتصوير فتاة يطبع البريق بواسطة «الكمبيوتر» على أسنانها زعما بأن معجون الأسنان هو الذي جعلها كذلك.
أما عنترة فقد وظف إمكانيات لغته الجبارة والطاقة الكامنة فيها للتعبير والتصوير بقوله: «فوددت تقبيل السيوف لأنها، لمعت كبارق ثغرك المتبسم»، أنظر إلى هذه الدقة الفائقة في تشبيه اللمعان بالبريق في هذا البيت الشعري لأن البريق أكثر اختطافا للأبصار، ليشعرك بأنك تنظر إلى ثغر عبلة بلا أصباغ الشفاه اللامعة وهو يختطف بصر عينيك، ليس على شاشات التلفزة حيث كل شيء مصطنع ومزيف وخاضع لعمليات التجميل، بل بريئا على طبيعته في البيداء البكر.
ما الذي أوصل الحسّ اللغوي عند عنترة إلى هذه الدرجة من تفجر الإبداع؟ ومن المهارة في امتطاء صهوة اللغة بمثل مهارته في امتطاء صهوة الخيل؟ وأي مدرسة تلك التي نهل منها هذه القدرة الخارقة التي مكّنته من أن يرسم - لا بالريشة والألوان الزيتية
ولا بآلات التصوير «الفوتوغرافي» بل بالكلمات والحروف - صورتين متنافرتين في لوحة واحدة أو في بيت واحد من الشعر، صورة تموج بالحركة العنيفة للمعان السيف في معمعة القتال وتطاير الأشلاء والدماء، وصورة يملؤها السكون والصمت والشاعرية لبريق ابتسامة الحبيبة.
ترى، لو كان المنهج التعليمي في زمان عنترة يعاني اختلالا عقليا وأزمة ثقة في الهوية، أو لا يعطي اللغة حقها من تطوير مناهجها وأساليب تعليمها، أو كان يحابي لغة دخيلة لدرجة التحيز، وبإنفاق مئات الملايين على تطوير أساليب تعليمها، أو لو كان أبو عنترة طالبا يتلقى دراساته العليا في بلاد الروم أو الإغريق،
وجاء من هناك وهو يجيد الرومانية أو الإغريقية بطلاقة قراءة وكتابة ومحادثة أكثر من العربية التي لا يجيد منها إلا قراءة اللوحات المرورية والصفحة الرياضية في صحيفته اليومية؛ أو لو كانت أمه تحمل شهادة الثانوية العامة بإحراز الدرجة الدنيا لاجتياز اختبار اللغة العربية ، هل كان بالإمكان أن يصبح عنترة شاعرا له مثل هذا الخيال؟
وهذه الشاعرية التي تحسده عليها كل ألسنة الدنيا وآدابها وثقافاتها؟ وهل كان بإمكانه تطوير إمكانات لغته وتطويعها للتعبير بصدق عن أحاسيسه ومشاعره؟. وأيضا، لو كانت برامج عنترة المفضلة التي يتابعها على القنوات التلفزيونية تُبَثّ بالعامية تارة وباللغات الأعجمية تارة وبالفصحى الركيكة المضحكة تارة أخرى، أو لو كانت لغة قبيلته الرسمية التي يستخدمونها في حياتهم اليومية غير اللغة العربية،
أو لو كان يعيش في مجتمع تتكون تركيبته السكانية من عشرات الجنسيات واللغات والثقافات وكلهم يعتز بلغته وثقافته إلى درجة رفض تعلم لغة قبيلة عبْس باعتبار العبسيين أقلية سكانية هل كان بإمكان عنترة وقبيلته في هذه الظروف الشديدة القسوة إلا أن ينجرفوا مع التيار ويعترفوا صراحة بعجزهم عن تطوير لغتهم حتى تفي باحتياجات الشعر والعلوم التطبيقية والسياسة والاقتصاد والقانون والإعلام الآداب والفنون؟.
أعتقد أن ذلك كله قد حدث فعلا، لأن التاريخ لم يحدثنا عن شاعر عبسي آخر بعد عنترة استطاع أن يأتي ولو بالنزر اليسير مما جاء به عنترة، ويبدو أن العبسيين اختاروا لغة أجنبية بدلا من لغتهم العربية يتخاطبون بها في اجتماعاتهم الرسمية
ولو لم يكن بينهم على طاولة الاجتماعات أجنبي واحد (طبعا في حالة وجود الأجنبي فإن التحدث بالعربية أمامه تعد جريمة لا تغتفر قد يعاقب مرتكبها بالحرمان من الترقية ومن تقلّد المناصب الكبيرة أو ربما بإنهاء الخدمة من الوظيفة)، وصارت معاملات دوائرهم الرسمية من المراسلات والرسائل الإلكترونية والعقود والاتفاقيات والعروض التقديمية (البرزنتيشن)
ونماذج الإجراءات الداخلية وحتى تصميم رموز المؤسسات (اللوغو) كلها أصبحت باللغة الأجنبية؛ وهناك شكوك قوية تدور حول أن حصان عنترة الذي قال عنه في معلّقته المشهورة: «لو كان يدري ما المحاورة اشتكى، ولكان لو علم الكلام مكلمي» ان هذا الحصان كان ايرلنديا متعصبا يرفض التكلم بغير الإنجليزية بلكنتها الايرلندية؛
بل يقال إن عنترة عندما امتنعت الصحف اليومية عن نشر إبداعه الشعري على صفحاتها لأنه يكتب بلغة معقدة وصعبة وغير حداثية أو غير مناسبة لعصرها ولا يفهمها عامة الناس من قراء تلك الصحف، اضطر إلى السفر إلى الخارج لتعلم اللغة الأجنبية
وهناك صار يكتب شعره بتلك اللغة حتى ذاع صيته، وبدأت دواوين شعره تترجم إلى اللغات العالمية الأخرى، ومن بين تلك اللغات التي ترجم شعره إليها كانت العربية إحداها، ويقال أيضا ان قبيلة عبس كانت من بين القبائل العربية الأخرى التي تكالبت إلى دعوته لإحياء أمسيات شعرية في محافلها ومجامعها الأدبية والثقافية.
في أمسية شعرية من الأمسيات التي دعته لها جامعة في إحدى القبائل، ورغم أن عنترة قدم أمسيته بلغته الجديدة وليس بالعربية (مجاملة لسفير البلاد التي كان عنترة يكتب شعره بلغتها)، إلا أن الوزير ومدير الجامعة وعمداء الكليات ممن حضروا الأمسية لم يفهموا ما هي الرسالة التي كان عنترة يحاول إيصالها بحديثه عن أهمية العلاقة العاطفية باللغة وعشقها ومعايشتها والارتباط بها لاكتشاف أسرارها ومحاولة تذوقها من خلال التقرب من معانيها وأصولها وأساليب التعبير بها،
أو ما كان يقصده بأن اللغة التي تتميز بثراء مفرداتها تعطي الكاتب والمتكلم بها قدرة على التعبير قد لا يجدها في اللغات الأخرى، أو ما كان يقصده بأهمية زيادة استخدام كل أمة للغتها من خلال تطوير أساليب تعلمها وفرض استخدامها وحدها في مؤسساتها التعليمية ودوائرها الرسمية وشركاتها
ووسائل إعلامها ولو بحكم القانون، أو ما هي اللغة التي كان يريد من بيت عبلة أن يتكلم بها في قوله: «يا دار عبلة بالجواء تكلمي»، ومع ذلك صفق له الحاضرون طويلا مع أنه رفض طلبهم وامتنع عن إلقاء قصيدة من قصائده التي قالها سابقا بالعربية احتراما ومراعاة لمشاعر السفير الذي يؤثر عنه تعصبه الشديد للغة بلاده.
مما تتكتم عليه كتب الأدب وتاريخه، رواية تقول ان ابن زيدون الحضري الأندلسي ورغم بضع مئات من السنين هي الحاجز الزمني الذي يفصل بينه وبين عنترة الأعرابي الجاهلي، فقد فتنه ذلك البريق الذي تغنى به عنترة في شعره؛ وكما أن عنترة لم يكن منتجا أو مسوّقا لأحد أصناف معاجين الأسنان أو مبيّضات الأسنان، فإن ابن زيدون لم يكن قارئا لنشرة الطقس والأحوال الجوية،
وهو يوظف البرق ليحيله مع السحاب والمطر بعصا الشعر السحرية من ظواهر للطبيعة إلى رمز لوعد العاشقين الذي لا يتحقق، ومعاناة الانتظار المتجدد بلا نهاية لإطلالة ولاّدة بنت المستكفي، فقال: «ما أنتِ والوعد الذي تعدينني، إلا كبرق سحابة لم تمطر».
ولكن ابن زيدون لم يجعل من اللغة ذريعة يواري وراءها فشله وتخلفه وتقاعسه عن تصدّر دروب الحضارة، فقد أخبرنا التاريخ أن آلاف البنازدة (جمع ابن زيدون) الذين نطقوا بنفس اللغة التي كان عنترة العبسي ينطق بها، أجادوا استخدامها وتطويعها وكتبوا بها إبداعاتهم في كل مجالات العلوم والفنون حتى افتتن بها جيرانهم من الاسبان والفرنجة وصاروا يتعلمونها ويتذوقونها بل ويكتبون قصائدهم بها؛
حتى إذا ما ذهبت سحابة ابن زيدون وبرقها ومعهما ابن زيدون نفسه إلى حتفهم، بقيت آثار ابن زيدون وقومه الجمالية الفذة حية عبقة، تحمل على راحتيها أينما ارتحلت عبر الزمان والمكان كل تراثهم الحضاري، وتحمل معه إلى يومنا هذا تفاصيل مشهد عصرهم كأن قصور قرطبة وغرناطة وطليطلة وشوارعها لا تزال تموج بأهلها، وكأن الزمن أسكره هذا النشيد فاستقرّ هناك ولم يتزحزح.
(ملاحظة: أعتذر للقارئ عن الكلمات التي اضطررت إلى إيرادها في المقالة بمصطلحاتها بالأجنبية، لأن قبيلتي ليس فيها ضليع بالعربية كعنترة يقدر على تعريبها أو استحداث مصطلح عربي لها، وحتى لو قدِر على ذلك فإن أحدا لن يستخدمه بل سيصر على استخدام المصطلح الأجنبي من باب المباهاة والادعاء).
كاتب إماراتي