تبدو التطورات والأحداث في المنطقة وكأنها بلغت، أو تكاد، لحظة مفصلية تاريخية. تفاعلاتها الساخنة واحتقاناتها دفعت بها، إلى تخوم قد تفرض حصول مراجعات، أو حسم خيارات، أو ربما إعادة خلط أوراق؛ في أكثر من ساحة وملف. الملفت فيها، أكثر من غيره، تزامنها ودقة ظروفها الحرجة.

التهاباتها وأجواء التصعيد التي تعيشها مؤخراً ولا تزال، تبرزها وكأنها محكومة بقانون الترابط؛ مع كل ما يؤدي إليه ذلك من إرباك وتأزم ومخاطر نوعية؛ من العيار غير الاعتيادي. لذا ثمة حالة من حبس الأنفاس، تخيم الآن على المنطقة. وبالتحديد على ساحاتها، المشتعلة أو المتوترة.

الأمر الذي يترتب عليه، ضرورة العمل على احتواء وضبط المستجدات هذه، قبل أن تفلت فرصتها، أو تخرج تداعياتها؛ عن حدود السيطرة. الساحة اللبنانية، ازدحمت في اليومين الأخيرين، بأحداث ومناسبات؛ من الحجم الكبير. اغتيال وذكرى اغتيال سابق، كله احتشد في يوم واحد. كلاهما له رمزيته السياسية والأمنية، ذات الأبعاد والمضاعفات، البالغة الخطورة.

وجاء ذلك على خلفية وضع، بلغت أزمته واحتقاناته، حدود الانفجار. خطاب ناري، فراغ طالت إقامته ولا معطيات تؤشر إلى مخرج قريب، احتكاكات متكررة تنذر بالمزيد من البضاعة نفسها وعلى أكبر وأوسع؛ في ظل مناخات تتسم باتساع الفجوة وتعميق القطيعة؛ بين القوى والشرائح ، السياسية والاجتماعية اللبنانية.

المؤشر الايجابي الوحيد، في هذا المشهد، أن تزامن حدثين يوم أمس؛ لم ينتج عنه ارتفاع في منسوب التوتر. على العكس ترك حالة من التفكّر الأعمق بالوضع من مختلف جوانبه. على الأقل، غاب التوتر الأمني ولم يقع شيء مما كان يخشى من وقوعه. علّ في ذلك فرصة، تشكل بوابة لحلحلة ما.

الساحة الفلسطينية، هي الأخرى، وصلت إلى مشارف خيارات حاسمة. إسرائيل تلوّح وتهدد بعمل عسكري كبير، ضدّ غزة؛ يتراوح بين الاجتياح وبين تصعيد عمليات الاغتيال والتصفية، مع تعنيف القصف والتدمير؛ فضلاً عن مواصلة الحصار وشدّ خناقه حولها.

في المقابل لمعت بارقة أمل بإمكانية إعادة بناء جسور ما بين «فتح» و«حماس». الرئيس عباس تحدث عن استعداده لعمل أي شيء، في سبيل العودة إلى الحوار مع غزة. وكان رئيس الحكومة المقال، إسماعيل هنية، قد تحدث بنفس اللغة، قبل يومين. تطور جديد صبّ في تعزيز هذا التوجه؛ عندما أعلنت مجموعة من قيادات الفصيلين؛عن عزمها على تشكيل قوة ضغط لحمل الفريقين على الجلوس حول طاولة الحوار. فرصة لا يجوز أن تضيع.

الوضع العراقي شهد هو الآخر، نقلة ملحوظة عندما تمكّن البرلمان من الموافقة على الموازنة؛ بعد أن كاد الخلاف حولها يطيح بالوضع السياسي. وجاء ذلك بالترافق مع تحسّن أمني؛ ولو أنه تعرّض لبعض الاهتزاز، مؤخراً.

في مقابل ذلك، حصل تصعيد أميركي ضدّ سوريا؛ عبر المزيد من العقوبات الأميركية. كما عمد الكونغرس إلى رفع درجة التسخين، إزاء النووي الإيراني.وهكذا تقف المنطقة الآن أمام حزمة من الاستحقاقات والتطورات المفصلية. الاحتمالات مفتوحة. ولا يخفى أن كفة التصعيد راجحة. الفيصل هو في كيف ستتعاطى المنطقة مع هذه التحديات والخيارات؟ .