ظهر بشكل جلي ان اليمين الاستيطاني في اسرائيل يسابق الزمن لفرض الحل الاسرائيلي الاستيطاني في القدس العربية دون ان تحرك الحكومة الاسرائيلية ساكنا لانقاذ عملية السلام من خلال تجميد اعمال البناء الاستيطاني الزاحفة على ما تبقى من الاراضي الفلسطينية في المدينة المقدسة تلك الاعمال التي تمول من قبل الجهات الرسمية وغير الرسمية في اسرائيل والتي لا يمكن ان تنفذ لولا الضوء الاخضر الحكومي الذي يمنح لها منذ مرحلة التخطيط وحتى التنفيذ الكامل.
والواقع ان الاستيطان لا يميز مطلقا بين القدس العربية والضفة الغربية الا من حيث الشعارات والذرائع الخارجية وعدد المستوطنين في القدس الشرقية كما يماثل ان لم يزد عن عددهم في الضفة الغربية كما ان تكثيف النشاطات الاستيطانية في القدس يقابله توسع استيطاني ومستوطنات عشوائية تنتشر كالفطر في ارجاء الضفة الغربية وهناك مستوطنات كبيرة كل منها بحجم مدينة في الضفة ولم يعد ما يعرف بالخط الاخضر موجودا في نظر المستوطنين ومن يقف وراءهم.
مستوطنة جبل ابو غنيم التي يطلقون عليها »هار حوما« مقامة داخل الضفة الغربية وخارج حدود بلدية القدس الموسعة انفراديا عام 1967 وعلى الرغم من هذه الحقيقة الساطعة فان الحكومة الاسرائيلية تدعي ان المستوطنة بنيت داخل الخط الاخضر وانها ضمن خريطة القدس وبالتالي يمكن اقامة المستوطنات اليهودية هناك وفقا لهذا المنطق التوسعي العجيب.
وبالامس وفي اعلان استفزازي سافر اعلن عن مخطط لبناء الف وحدة سكنية في مستوطنتي جبل ابو غنيم وبسغات زئيف »والاخيرة تقع شمالي القدس وهي مقامة على اراضي بيت حنينا المصادرة بقرار انفرادي اسرائيلي« وفي التقرير الاعلامي الذي واكب هذا الاعلان ورد ان السلطات الحكومية الاسرائيلية تعترف بانها تبني الوحدات السكنية الاستيطانية في كل ارجاء القدس العربية وان البناء في هذه المدينة لا يتطلب اذنا او موافقة من جانب رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت لان الاراضي المصادرة من المواطنين العرب قد ضمت قبل اربعين عاما وبقرار اسرائيلي احادي الجانب الى حدود بلدية القدس التي تعتبرها السلطات الاسرائيلية عاصمة اسرائيل حتى لو لم يعترف العالم كله بهذه الصفة للمدينة المقدسة.
وهكذا يسعى اليمين الاسرائيلي المتطرف الى تهويد القدس العربية وتغيير طابعها واحكام الطوق الاستيطاني حولها من جميع الجهات للحيلولة دون ادراجها في قضايا الوضع النهائي والالتفاف حول الحقوق الفلسطينية والعربية والاسلامية في المدينة ومقدساتها بل وحتى منع الانسحاب الاسرائيلي من الاحياء الفلسطينية المقدسية والتهديدات التي تتردد في وسائل الاعلام الاسرائيلية بشأن انسحاب الاحزاب اليمينية والمتطرفة من ائتلاف اولمرت وهو ما حدث بالنسبة لحزب افيغدور ليبرمان وقد يحدث بانسحاب حزب شاس وغيره - هذه التهديدات مؤشر خطير على ان اليمين المتشدد قد حول عملية السلام الى رهينة لمواقفه الاستيطانية التوسعية.
وليس ادل على خضوع الحكومة الاسرائيلية لهذه المواقف من مطالبة اولمرت بتأجيل بحث قضية القدس الى حين الانتهاء من تسوية القضايا الاخرى والسؤال هو : ما الذي سيتغير عند اتمام بحث القضايا العالقة الاخرى - وهل سيعدل اليمين الاستيطاني المتطرف من مواقفه تجاه القدس العربية؟ من الواضح ان الامور وصلت الى حد حسم القرار الرسمي الاسرائيلي فهل ستختار الحكومة الاسرائيلية التوصل الى السلام العادل ام تفضل الانحياز صراحة وعلنا لمواقف اليمين المتطرف هذه؟ انه خيار ساعة الحقيقة الذي يتوجب اتخاذه قبل فوات الاوان وضياع الفرصة؟
