كنت أقرأ في كتاب صغير، عنوانه «نعم.. ولكن»، وهو يدور حول خمس عشرة عبارة يستخدمها الناس بكثرة في حياتهم، ولها دور كبير في تشكيل حياتهم ومشاعرهم وتصوراتهم. تقول المؤلفة، وهي تعرض تجارب بعض الأشخاص ممن عالجتهم أو ساعدتهم على التخلص من مشكلاتهم، إنّ اللغة لها تأثير طاغ في حياتنا، وإنّ العبارات التي نستخدمها ونكررها كثيرا في يومنا تؤطر تفكيرنا، فتجعله حبيس ما توحي به من دلالات، وقد تكون في نهاية الأمر سببا في تعاستنا أو شعورنا بعدم الرضا وعدم الاكتفاء.
ولذلك يشعر كثيرون بأنّهم يقضون حياتهم بحثا عن شيء مفقود، ثم لا يجدونه في النهاية. والحقيقة أنّ هذا الإحساس بالفقد والنقص قد يكون سببه أننا نعيش حبيسي أطر تصوريّة معيّنة خلقناها بأنفسنا باستخدامنا جملا لغوية مخصوصة تبثّ في أذهاننا أفكارا وتصورات تقيّدنا وتضع العراقيل أمامنا.
وهي ترى أنّ الإنسان إذا تأمل لغته اليومية، وراقب نفسه وهو يردد عبارات بعينها مراقبة واعية، فإنه سيكتشف الطاقة -السلبية أو الإيجابية- الهائلة التي تتحملها لغته وكلماته، وأثرها البالغ في توجيهه، وتشكيل نمط حياته ومشاعره على نحو قد يكون مدمّرا أحيانا.
ولذلك ترى أنّ الكشف عن مثل هذه العبارات قد يساعد الكثيرين على أن يدركوا أبعادها النفسية وآثارها العاطفية، فيمكنهم من أن يبتعدوا عنها، ويستبدلوا بها عبارات أخرى أغنى في إيحاءاتها الإيجابية ودلالاتها المشجعة الداعمة، فيصنعوا لأنفسهم أطرا تصورية جديدة تعيد تشكيل حياتهم تشكيلا يطلق طاقاتهم، ويحررهم من القيود الوهمية التي كانوا مقيدين بها.
ويشبه ما تقوله المؤلفة ما تعتمده فكرة البرمجة اللغوية العصبية، ولكنّ عرضها لتجارب واقعية من حياة الناس في كل فصل خصصته لعبارة من العبارات يجعل حديثها أقرب إلى الواقع، وألصق بحياة الناس.
ومن العبارات التي ساقتها للتمثيل على ما تذهب إليه عبارة «يجب عليّ أن أفعل كذا وكذا» (نحن نستخدم كلمة «لازم» في لهجتنا وفي كثير من اللهجات العربية الأخرى للدلالة على المعنى نفسه)، فهي تشير إلى أنّ هذه العبارة من أكثر العبارات استخداما في حياتنا، ولا توجد عبارة أخرى تضاهيها في الدوران على ألسنة الناس، ولا في الأثر العميق الذي تتركه في عقولهم ومشاعرهم. إنّ هذه العبارة تؤطر حياتنا كلها في إطار المفروض علينا، فكأن كل فعل نفعله «يجب علينا» أن نفعله، فهي عبارة غير داعمة، وخالية تماما من أي ظلال توحي بالتشجيع أو الحرية أو الرغبة.
ولذلك فهي تضعنا تحت وطأة الشعور بأننا مطالبون مأمورون، مما يفقدنا الإحساس بالمتعة بما نفعله في يومنا، حتى الأشياء التي قد تدخل البهجة إلى قلوبنا تتحول إلى فعل «يجب أن» نقوم به، لا شيء «نريد» أن نفعله، وهي تدعو القارئ إلى تأمل عبارات من مثل «يجب أن أذهب إلى السوق» «يجب أن أحضر هذا الحفل» «يجب أن أكتب التقرير» وغيرها من العبارات. وهكذا تتحول حياتنا إلى واجبات مفروضة علينا، وتختفي حقائق الأشياء خلف ستار كثيف من لغة «يجب أن» التي لا تمنحنا الفرصة لتأمل ما نريد أن نفعله حقا، فكل أفعالنا «يجب أن نفعلها»، لكن هل «نريد» حقا أن نفعلها؟
وتضرب مثلا بسيدة وزوجها يكثران من استخدام هذه العبارة، وكيف أنها طلبت منهما أن يسجلا جملة «يجب أن..» في كل مرة يقولانها، وأن ينتبها إليها جيدا مدة يومين كاملين، ثم أن يستبدلا بها جملة «أريد أن...» في كل مرة ترد على بالهما أو ينطقا بها مدة يومين آخرين. وتحكي كيف أنّ الزوجين اكتشفا حقائق كثيرة لم يكونا يعياها عن حياتهما، من مثل أشياء يحبان أن يفعلاها لكنهما يضعانها في إطار ما يجب عليهما فعله، مما يفقد الأشياء بهجتها وحقيقة أنها مرغوب فيها، ويسدل الستار في حياتنا على ما نرغب حقا أن نقوم به، فلا نتبين ما نريد، ولا نعرف إن كان ما نفعله كل يوم هو ما كنا قد حلمنا به من قبل أم أنه أفعال نحن مطالبون بأدائها لأنها «يجب علينا أن نفعلها».
فهناك أشياء «يجب علينا» أن نقوم بها، ونحن نريدها ونحب أن نفعلها، لكن إحساس الرغبة بها ومحبتها يغيب ويتلاشى بسبب تأطيرها بالعبارة السابقة.
إنه شيء طريف حقا أن يتأمل المرء لغته، وأن يقوم بدور الرقيب عليها، بحيث يضع عباراته التي تتكرر كثيرا تحت المجهر، فينظر فيها جيدا، ويرى مفعولها السحري العميق الذي تفعله في عقله وروحه وقلبه، لقد جرّبت أن أستبدل بـ «يجب أن» جملة «أريد أنْ» وفوجئت حقا من كثرة السؤال الذي تردد بعد كل عبارة بدأتها بـ «أريد أن»، فقد كنت مباشرة أسأل: هل أريد حقا أن أفعل ذلك؟
واكتشفت - مع ذلك- أنّ هناك أشياء أريدها وأحبها، وأنني حين أقول «أريد أن»، بدل «يجب أن» أفتح أمام قلبي الأبواب مشرعة نحو الفرح والبهجة والتطلع إلى شيء تتوق نفسي إليه..قد تكون لغتنا اليومية هي الباب السحري الذي يكشف أمامنا الحياة التي نحياها، والعادات التي حبسنا أنفسنا في إطارها، والتجارب المهمة التي نمر بها من دون أن ننتبه إلى أهميتها وتأثيرها البالغ في تلوين حياتنا إما بألوان الحزن والكآبة وإما بألوان قوس قزح.
هناك أسئلة كثيرة ستتدفق على أذهاننا إذا بدأنا باستخدام «أريد أن» بدل «يجب عليّ»، وهي أسئلة قد نتجاهلها أو نتجنب الإجابة عنها في كثير من الأحيان، لأنها تتطلب أن نتوقف قليلا ونتأمل حياتنا بعمق.. ولكننا لا نفعل في الغالب، لأننا دائما على عجلة من أمرنا. لندع اللغة تكشف لنا ما لم نوله اهتمامنا يوما، ولنر حياتنا تتبدى لنا شيئا فشيئا من وراء الكلمات.
جامعة الإمارات