لم تستطع نصوص تقرير فينوغراد الثاني بعد صدوره مؤخراً من اقتلاع أيهود أولمرت من موقعه في قيادة الائتلاف الحكومي أو حتى من قيادة حزب كاديما الذي يتزعمه. فكانت نصوص التقرير حمالة أوجه، وقابلة للتفسيرات المطاطة، والتأويلات المختلفة التي مكنت أولمرت من الهروب من استحقاقات التقرير التي طالما انتظرها زعيم تكتل الليكود بنيامين نتانياهو الخصم اللدود لأولمرت وحكومته الائتلافية.
لكن وفي الجانب المتعلق بالجيش الإسرائيلي فان التقرير تحدث، بشكل مفصل، عن الأخطاء التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي في حربه الأخيرة مع حزب الله، وعن عجزه وقصوره عن التمكن من ردع المقاومة اللبنانية وهزيمتها، وعن الضعف المشين الذي انتاب هذا الجيش، في أثناء القتال، رغم انه يعد أقوى جيش في منطقة الشرق الأوسط.
فقد اعتبر التقرير الثاني للجنة فينوغراد بأن الجيش الإسرائيلي لم يواجه ارباكاً طوال عمره كالذي واجهه في حربه الأخيرة، وعليه فقد طال واستطال التقرير في الحديث عنه، وعن الإخفاقات والنواقص التي ظهرت أكثر من (213) مرة في نصوص التقرير، وعن التقصيرات الأمنية لشعبة المخابرات العسكرية المعروفة باسم (أمان) وعن سوء القيادة التي تمت تحت ادارة وزير الحرب السابق عميرا بيرتس ورئيس الأركان المستقيل دان حلوتس.
فضلاً عن الحديث المتعلق ببنية الجيش الإسرائيلي وعدم ملائمتها لحروب من النمط الذي تم في المواجهات التي دارت بين مقاومي حزب الله والجيش الإسرائيلي، حيث تحولت دبابات (الميركافاه) إلى أهداف كبيرة الحجم وواضحة أمام الصواريخ المضادة للدروع وقد حولتها إلى أكوام من الحطب المشتعل.
فقد أكد «تقرير فينوغراد» الذي صدر في الثلاثين من يناير 2008 للإسرائيليين أن هزيمة جيشهم دخلت التاريخ رسمياً مع خسارته الحرب الثانية في لبنان (يوليو 2006) أمام المقاومة اللبنانية، مع تساقط آلاف الصواريخ على مدن ومستوطنات شمال ووسط وقلب فلسطين المحتلة، مع فرار مليون إسرائيلي من المناطق الشمالية التي قصفت بالصواريخ إلى المناطق الجنوبية من فلسطين المحتلة البعيدة نسبياً عن أرض المعركة.
فقد كانت الجبهة الداخلية الأكثر هشاشة مع عجز الجيش الإسرائيلي عن صد صواريخ أرض /أرض التي كان يطلقها حزب الله التي شوشت بقدر كبير حياة الإسرائيليين الحياة من المطلة شمال فلسطين المحتلة إلى جنوبها في بئر السبع، ناهيك عن ديمونا، في ظل النقص في توفير الغرف المحمية في المنازل، والملاجئ وتزويدها، بخزانة إسعاف أولي على الأقل، وتراجع إمكانية جاهزيتها لاستيعاب الآلاف.
وعلى هذا الأساس، فإن لجنة فينوغراد تعتقد وفق نصوص التقرير المنشورة أن حرب لبنان صيف العام 2006 كانت فشلاً مطلقاً، تتحمل مسؤوليته القيادة (العسكرية) العليا، ومعها المستوى السياسي أيضاً، حيث تعتقد اللجنة بأن مسؤولية المستوى السياسي تتمثل عن إخفاقات الحرب ناشئة عن انجراره وراء ضباط الجيش، من دون أن يسأل الأسئلة اللازمة ومن دون أن يتخذ القرارات بشكل منظّم أو يرتكز في تحليلاته على المعلومات ذات الصلة.
فكانت المقاطع الواردة في التقرير التي تتحدث عن أداء الجيش الإسرائيلي في الحرب بمثابة «لائحة اتهام مرعبة شديدة الخطورة» وفق الصحف الإسرائيلية، فتقرير لجنة فينوغراد وجه نقداً قاسياً للقيادة السياسية والعسكرية بسبب ما أسماه «الإخفاقات الأساس» التي تعود إلى «الارتجال دون أسس تفكير وتخطيط مسبقين».
وقد شخص جملة واسعة من نقاط الخلل والإخفاق، منها ما هو بنيوي ومنها ما هو متعلق بالظروف، وبالقوة العسكرية التي كانت تحت تصرف دولة إسرائيل في صيف 2006. وفشل القيادة العسكرية ومن خلفها السياسية ووقوعها في خطأ مهني كبير، تمثل في فشل الجيش في حالات عديدة كانت الانجازات العسكرية ضعيفة.
كما في استنفاد انجازاتها العسكرية الفورية التي تمت بالقصف الجوي واستدارتها نحو العملية البرية واجتياز الخطوط الحدودية في خطوة لم تكن ناجعة أو ناجحة في الحد الأدنى، مع التقصير في الضم المتأخر للوحدات الخاصة ذات القوة البشرية النوعية والخبرات القتالية في القتال بعد توغل دبابات (الميركافاه) الثقيلة والكبيرة الحجم في الجنوب اللبناني وبروز الفرق بين طاقة إنتاج وعمل الوحدات الخاصة وبين الاستعمال المحدود لها في أثناء الحرب.
كما أن التقرير أثار التساؤلات المتعلقة بخصوص تناقض إدارة وتخطيط رئيس الأركان المستقيل دان حالوتس وعن معارضته طيلة الحرب تجنيد الاحتياط بشكل واسع، ومعارضته تعميق العمليات البرية، وفي النهاية تغيير رأيه وإقناعه الأوساط السياسية للقيام بالعملية البرية ؟ فالقوات البرية بعرف التقرير لم تنجح في التصدي للقتال في ظروف الساحة في لبنان.
كاتب فلسطيني ـ دمشق