هل كان لمدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية مايكل هايدن أن يقر علنا بأن الوكالة مارست عمليات تعذيب على أشخاص مشتبه بهم محتجزين لديها لولا أنه واثق تماماً من أنه ومساعديه لن تتخذ ضدهم إجراءات قانونية أو حتى محاسبة إدارية؟

هذه هي معضلة الديمقراطية في الولايات المتحدة: صياغات دستورية ممتازة ومتميزة تنبثق عنها تشريعات رصينة.. لكن لا النصوص الدستورية ولا القوانين العقابية تطبق على ذوي السلطة ولا ذوي المال.

في جلسة مفتوحة أمام لجنة الاستخبارات التابعة لمجلس الشيوخ الأميركي أقر هايدن بأن الوكالة أخضعت ثلاثة أشخاص يشتبه بأنهم «إرهابيون» لعمليات تعذيب على أعلى درجات القسوة بينها إيهام الشخص المعذب بالإغراق في الماء بهدف انتزاع ما لديه من معلومات سرية.

ورغم أن هذه الممارسة محظورة قانونياً في الولايات المتحدة فإن مدير الوكالة يبررها بأنها وسيلة ناجعة للحصول على معلومات مفيدة. ولو افترضنا صحة هذا التبرير رغم عدم قانونيته فلماذا لم تقدم الوكالة هؤلاء الأشخاص الثلاثة إلى محاكمة إذا كانت واثقة فعلاً من أن المعلومات التي حصلت عليها مفيدة بالمعنى القانوني؟

لكن السؤال الأكبر هو: إذا كان مدير الوكالة ومساعدوه قد انتهكوا القانون الأميركي وأن المدير يعترف بهذا الانتهاك علناً فلماذا لا يحاكمون؟ وما قيمة نظام ديمقراطي يفتقر إلى قيمة سيادة القانون.

قالت صحيفة «واشنطن بوست» في مقالة افتتاحية إن ممارسة التعذيب وصمة عار على جبين أميركا وانتهاك لكل القيم التي تريد نشرها في العالم، وتقول الصحيفة إن التعذيب أسلوب تستخدمه الأنظمة الاستبدادية وليس الأنظمة الديمقراطية المنتخبة. وانطلاقاً من هذا القول نتساءل: ما الفارق إذن بين مؤسسة السلطة الأميركية وأنظمة الحكم الدكتاتورية في العالم الثالث؟

هذا التساؤل يصبح أكثر إلحاحاً على الصعيد العملي إذا أخذنا في الاعتبار أن وكالة الاستخبارات المركزية تستند في ممارستها التعذيب إلى إذن رسمي من رئيس الولايات المتحدة، هل عرفنا إذن لماذا يقر مدير الوكالة بعمليات تعذيب بل ويختلق لها تبريرات وهو مطمئن تماماً إلى أن يد القانون لن تطاله أو أياً من مساعديه؟

النظام الديمقراطي الأميركي مبهر كنصوص نظرية لكن التطبيق على الصعيد العملي يتخذ منهجاً تمييزياً بحيث إن العدالة الجزائية لا تمس أصحاب القوة السلطوية أو القوة المالية مهما ارتكبوا من جرائم، ولعل أوضح مثال هو جماعات الجريمة المنظمة التي تعتبر عملياً فوق القانون.

لقد حاول الرئيس جون كينيدي وشقيقه روبرت أن يحاربوا منظمة المافيا الأميركية. وكانت النتيجة أن كلا منهما قتل، وكان القضاء على المافيا على رأس أولويات الرئيس كينيدي فور توليه السلطة في عام 1960.

ولهذه الغاية عين في منصب المدعي العام (أي وزير العدل) شقيقه الذي لم يكن أقل منه تصميماً في شن حرب حاسمة على المنظمة الإجرائية. اغتيال جون كينيدي جرى في أواخر عام 1963، واغتيل شقيقه بعد ذلك بخمس سنوات عندما كان أيضاً مدعياً عاماً في إدارة الرئيس ليندون جونسون يواصل تنفيذ برنامجه لملاحقة المافيا.

لقد دعا قسم من الصحافة الأميركية بشقيها المطبوع والالكتروني إلى إجراء تحقيقات في عمليات التعذيب التي تمارسها كل من وكالة الاستخبارات في معتقلاتها الخاصة ووزارة الدفاع في معسكر غوانتانامو وإلى معاقبة المرتكبين، لكن من يأمر بمثل هذا التحقيق إذا كان الإذن بممارسة التعذيب صادراً عن رئيس الجمهورية نفسه؟