من جديد يعود موضوع عسكرة الفضاء، إلى التداول، ومن جديد يحتدم الجدل حوله، بين الكبار. الخطير في الموضوع، أن خطوات وتوجهات ملموسة في هذا المجال؛ بدأت تشقّ طريقها نحو هذا النوع من التسليح. ثمة مشاريع في طريقها إلى التنفيذ. وأخرى يجري السعي لترجمتها وإحياء برامجها وتطويرها.
واشنطن تخصص موازنات ضخمة لمثل هذه الأسلحة. وواضح أن عملية سباق تسلح جديد، قد انطلق قطارها. فالرئيس فلاديمير بوتين، تحدث عن هذا السباق؛ بصراحة، قبل أيام. زعم أن بلاده اضطرت لقبول هذا التحدي. إذا كان القصد من عسكرة الفضاء تحقيق التفوّق؛ فإن هذا الأخير قد ثبت، بالتجربة، بأنه لا يؤدي سوى إلى المزيد من تكديس السلاح؛ كما إلى المزيد من انتشار أسلحة الدمار الشامل؛ واستطراداً إلى المزيد من التهديد للأمن والسلام الدوليين. واقع الحال، أثناء الحرب الباردة وبعدها، يؤكد ذلك.
وإذا كانت الغاية، استدراج الخصوم إلى سباق يؤدّي إلى استنزاف مواردهم وإرهاق موازناتهم؛ فإن الهدف لن يتحقق، إذا قبلوا التحدي.حتى ولو تحقق النزف المرغوب.الحصيلة تكون، المزيد من السلاح المتطور. وعند ذاك، لا فرق بين سلاح متطور وآخر أقل تطوراً. فكله يزيد من التأزم ومن تفاقم النزاعات.
مشاريع نشر السلاح في الفضاء الخارجي، متداولة سيرتها منذ مطلع الثمانينات، من القرن الماضي. طلّت بواكيرها مع رئاسة ريغان؛ عبر طرح هذا الأخير لفكرة ما سمّي آنذاك بـ «حرب النجوم». كان ذلك البند الأحدث، في عملية سباق التسلح بين الجبارين.
ومع أنه تبيّن، في ذلك الحين، أن مثل هذا المشروع غير قابل للتحقيق علمياً؛ إلا أن الفكرة بقيت تدغدغ طموحات دعاة التفوق؛ بالرغم من انهيار الاتحاد السوفييتي. ومع مجيء إدارة الرئيس بوش الحالية، صدرت دعوات للسيطرة على الفضاء واحتكار الهيمنة العسكرية عليه؛ وبالتالي تأمين التفوق من خلاله على معادلة وموازنات القوة، على الأرض. على الأثر تمّ إقرار مشروع الدرع الصاروخية الواقية. خصصت الموازنات اللازمة لبنائها ونصبها في ولاية آلاسكا.
ثم قررت الإدارة نشر منظومة أخرى مضادة في وسط أوروبا. الأمر الذي أثار غضب موسكو واعتراضها الشديد؛ على مثل هذه الخطوة. الأمر الذي أدّى إلى توسيع الشرخ، في العلاقات بينهما. على هذه الخلفية اقترحت روسيا، أمس، في مؤتمر الأمم المتحدة لنزع السلاح، المنعقد في جنيف؛ مناقشة مسودة معاهدة جديدة تدعو إلى حظر التسلح في الفضاء. انضمت الصين إلى الدعوة. واشنطن أبدت اعتراضها على الاقتراح.
زعمت أنه لا حاجة لمعاهدة في هذا الخصوص. الاتفاق السابق في هذا المجال، يكفي؛ كما تقول.والمعروف أن واشنطن تنوي، بالإضافة إلى ما نصبته من منظومات صاروخية،العمل على إنتاج ونشر سلاح جديد مضاد، يعرف باسم «السهام الإلهية»، المخصص لتدمير المنشآت المحصنة تحت الأرض.
قد يكون لموسكو وبكين حساباتهما السياسية والإستراتيجية، التي دعتهما إلى الاعتراض على مثل هذا التسليح. لكن الذي لا جدال فيه أن النزوع المتصاعد لنشر الأسلحة في الفضاء، مهما كانت الذرائع والتبريرات، ليس إلاّ وصفة لتسعير العسكرة. وهذه ما كانت مرة ولن تكون، سوى عقار مضاد للسلم والأمن الدوليين.
