عمت الفرحة مساء الأحد الماضي مختلف المدن والشوارع العربية، وحتى العرب الموجودين في المهاجر، حسب ما أظهرت تقارير القنوات التلفزيونية ومختلف وسائل الإعلام الأخرى، وذلك ابتهاجاً بالفوز المستحق لمنتخب مصر في المباراة النهائية لقمة الكرة الإفريقية، وتتويجه ببطولة أمم إفريقيا للمرة السادسة في تاريخ هذه البطولة والثانية على التوالي، وخارج أرض مصر.
وليس مستغرباً ولا جديداً أن تتشارك الشعوب العربية من أقصاها إلى أقصاها، في الأفراح والأتراح، فقد عودتنا هذه الشعوب دوما، رغم كل العقبات والعراقيل، أنها لا تعترف بالحدود المصطنعة بينها، ولا تأبه لبعض السياسات الرسمية المتصارعة مع بعضها، المتخاذلة في مواجهة أعدائها. وليست مسألة غزة عنا ببعيدة!
لكن السؤال الملح والمحير، هو لماذا ينتصر العرب ويفوزون رياضياً، بينما لا يحققون في السياسة غير الهزائم والانكسارات؟ وكيف استطاعت هذه الشعوب الموصوفة عند البعض ب«الغوغائية» و«الجهل»، أن تحقق هذا التوحد العفوي وتحافظ عليه في مثل هذه المناسبات، بينما يعجز ساستنا «العارفون» و«الفاهمون» وأصحاب «الخبرة» و«الحكمة» عن مجاراة شعوبهم، ولو بالحد الأدنى من التنسيق والتعاون وتحقيق أي إنجاز سياسي ملموس؟
بالطبع، هناك استثناءات لا يمكن إنكارها أو تجاهلها، لكنها تبقى كذلك، أي استثناءات، لا تنفي القاعدة العامة والراسخة، وإنما تثبتها وتؤكدها.
والأمثلة كثيرة على رسوخ هذه القاعدة وتجذرها سياسياً، ولعل أبرزها وأكثرها سخونة حالياً هو الوضع اللبناني وما يحيط به من مواقف عربية، تبدو محرضة على التفجر والاشتعال أحياناً، وفي كل الأحوال تبدو عاجزة عن إنجاز حل توافقي بأي وسيلة من الوسائل، رغم ما يدركه الجميع من حجم المخاطر التي لن يسلم منها أي طرف عربي إذا ما وصلت الأمور في لبنان ـ لا سمح الله ـ إلى حد الانفجار الشامل، الذي يبدو أن البعض مصر عليه ويسعى إليه بجد ومثابرة هذه الأيام، أكثر من أي وقت سابق منذ نهاية الحرب الأهلية اللعينة!
لقد وصل الأمر ببعض «السياسيين» إلى التهديد علنا وعلى رؤوس الأشهاد ب«حرق الأخضر واليابس» في لبنان، مؤكدا أنه لا مشكلة في توفر السلاح وحتى الصواريخ! ومن البديهي أن الأخضر واليابس هنا ليس هو إلا الشعب اللبناني المغلوب على أمره. لكن المخيف أكثر هو أن من حضروا هذا الإعلان المدوي، ومنهم سياسيون من مختلف المواقع والمستويات، قد صفقوا وهللوا تأييدا «لحرقهم»، فهم أيضا جزء من هذا الأخضر (أو اليابس) اللبناني المهدد بالإحراق!
من طبيعة السياسة ومن حق السياسيين أن يختلفوا في المواقف والرؤى، ولهم كذلك أن يناوروا سياسيا وأن يستخدموا من التكتيكات ووسائل الضغط السياسي ما يخدم مواقفهم ورؤاهم الوطنية، إن كانت حقا وطنية.
أما أن يصل الأمر إلى حد التهديد العلني بحرب أهلية شاملة، بل حرب إقليمية «تحرق الأخضر واليابس» فعلا، فذلك خروج على القواعد السياسية وتجاوز لكل ما هو منطقي ومعقول، أيا كان مصدر هذه التهديدات وسواء جاءت من طرف واحد أو صارت «قصفاً متبادلاً» بين مختلف الأطراف، كما يحدث اليوم!
فلماذا لا يتحلى سياسيونا أو «السياسيون» منا، بشيء من «الروح الرياضية» و«اللعب النظيف» في السياسة، كما هو الحال في المباريات الرياضية بين المحترفين؟ ولماذا لا يوجد عندنا في السياسة حكام ساحة وحكام مراقبون جدّيون، يستطيعون التحكيم في مبارياتنا السياسية بنزاهة وحزم، وإيقاف كل لاعب عند حدوده وما تسمح له به قواعد وأصول «اللعب النظيف»؟
أم أنه آن الأوان لقلب الموازين وتبديل المواقع، فنحول الرياضي إلى سياسي، ونجعل السياسيين رياضيين؟ ليس لتخريب الرياضة طبعا، ولكن من أجل أن نضمن أن أي سياسي لن يمارس اللعب إلا بعد أن يتمرّن عليه وعلى قواعده الصحيحة ويكتسب من اللياقة، النفسية والعقلية قبل البدنية، ما يؤهله لخوض المباريات »بروح رياضية« وضمن مقتضيات الفريق الواحد.
ما هو معروف وطبيعي في كثير من المجتمعات في العالم، أن الخلافات المتشنجة والصراعات العنيفة تنشأ في العادة بين الناس العاديين، فيكون دور السياسيين أن يعملوا بوسائلهم وطرقهم السياسية على حلها وتقريب المواقف بين أطرافها، حتى لو كانت هذه الأطراف دولا تتعمق الخلافات بينها وتتعدد أبعادها، لأن ذلك ببساطة هو دور السياسة والسياسيين، وإلا لما كان هناك فرق بين السياسي وبين من يمارس المصارعة الحرة دون قواعد أو ضوابط.
وإلى أن يتعلم »السياسيون« عندنا شيئا من أخلاقيات الرياضة، يبقى الفوز مصريا والبطولة عربية، فهنيئا لمصر ولنا جميعا.. وعقبال السياسة!