يثير مجرد الكلام عن الإرهاب عدة تساؤلات وجدال بسبب المشكلات التي تحيط بتعريف هذه الظاهرة وتحديد دوافعها وأبعادها وأهدافها. ونلاحظ هنا اختلاف نظرة كل مجتمع وكل دولة للمفهوم، وقد ساهم هذا الإشكال في الالتباس والتداخل والفوضى في الطرح والمعالجة والتحليل.

فحتى اليوم لا يوجد تعريف للإرهاب متفق عليه دوليا، وذلك لأسباب تتعلق بتباين المصالح واختلاف المعايير والقيم بين الدول والمجتمعات مما أدى ـ على سبيل المثال ـ لعدم التمييز في الكثير من الحالات ما بين الإرهاب والمقاومة المشروعة للاحتلال.

فالإرهاب هو حدث مفاجئ وغير متوقع، منظم، وهو عنف غير مشروع يقوم به فرد أو جماعة ويكون عادة موّجها ضد مدنيين أبرياء ويستهدف الحضور الإعلامي والعلنية والدعاية للفت انتباه أكبر عدد ممكن من الناس بهدف الوصول إلى الرأي العام من أجل التأثير في صانع القرار لتحقيق غايات اجتماعية وسياسية واستراتيجية.

وعند الكلام عن محاربة الإرهاب واجتثات جذوره من أي مجتمع، يجب أولا فهم هذه الظاهرة ودراستها دراسة متأنية ومنهجية وعلمية من جميع جوانبها والوقوف على أسباب ظهورها حتى يكون التعاطي والتعامل معها مبنيا على أسس علمية صحيحة بعيدة عن الارتجال والعاطفة.

فالخطوة الأولى لاجتثات الإرهاب هي فهم الأسباب التي أفرزته ومن ثم القضاء عليها للقضاء على الإرهاب، وهذا ما يتطلب في معظم الأحيان القيام بالإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي على الصعيد المحلي والدولي. فالإقصاء والتهميش والكيل بمكيالين والجهل والفقر والاستغلال والإهانة والاسترقاق والاستعباد والظلم كلها عوامل تفرز الإرهاب وتفرز الأفكار الاستئصالية الإقصائية المتطرفة.

أصبحت ظاهرة الإرهاب ظاهرة القرن الحادي والعشرين بكل امتياز. فالمشكلة أصبحت أداة للسياسة والعلاقات الدولية والحضور الإعلامي والوصول إلى الرأي العام مما جعلها مادة دسمة تتفنن وسائل الإعلام في تناولها وتغطيتها ومناقشتها. ومن أهم التحديات التي تفرضها ظاهرة الإرهاب على المنظومة الدولية هي تعريف كلمة »إرهاب« حيث إلى حد الآن لا يوجد تعريف شامل ومانع للكلمة.

من جهة أخرى اختلفت دول العالم في تحديد السبل والطرق لمكافحة هذه الظاهرة واحتوائها. فالإرهاب ظاهرة عالمية لا تقتصر على دولة واحدة أو شعب بعينه وإنما هي ظاهرة عصفت وتعصف بالعديد من المجتمعات والدول على حد سواء،الفقيرة منها والغنية بدون تمييز ولا اختلاف.

فالإرهاب ظاهرة معقدة ومتشابكة تفرزها جملة من العوامل والأسباب حيث تتداخل العوامل الشخصية والنفسية مع الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية لتشكل ظاهرة الإرهاب التي تهدف إلى تحقيق الأهداف من خلال العنف والقتل والجريمة وإلغاء الآخر وإقصائه من الوجود.

أما على الصعيد الدولي فتتلخص الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تفرز الإرهاب حسب لجنة مكافحة الإرهاب التابعة للأمم المتحدة فيما يلي: »سيطرة دولة على دولة أخرى، واستخدام القوة ضد الدول الضعيفة، وممارسة القمع والعنف والتهجير.

وعدم التوازن في النظام الاقتصادي العالمي والاستغلال الأجنبي للموارد الطبيعية للدول النامية، وانتهاك حقوق الإنسان السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بالتعذيب أو السجن أو الانتقام، والجوع والحرمان والبؤس والجهل، وتجاهل معاناة شعب ما يتعرض للاضطهاد، وتدمير البيئة«.

ومن الإجراءات التي تستعمل لمحاربة الإرهاب، منع الإرهابيين من استخدام التكنولوجيا الحديثة للاتصال، وتجفيف المنابع المالية للإرهاب بما في ذلك الجريمة المنظمة والاحتيال المصرفي وسرقة الهويات... الخ.

كذلك العمل على نشر الوعي بحقيقة الإرهاب وانعكاساته على الصعيد المحلي والعالمي من خلال رجال الدين والمؤسسات الإعلامية ومراكز الدراسات والبحوث وجمعيات المجتمع المدني. والعمل كذلك على مصادرة القدرات التسليحية المتوفرة لدى الإرهابيين وكذلك إيقاف العلاقة القائمة ما بين تجارة المخدرات وتمويل الأنشطة الإرهابية.

من جهة أخرى يرى بعض الخبراء أن مكافحة الإرهاب تتطلب التقليل من قدرة الإرهابيين على العمل بفاعلية وهذا يعني تنظيم الجهود الدولية وضرورة التنسيق من أجل مصلحة الجميع.

كما يجب كإجراء ثانٍ استراتيجي إزالة والقضاء على البيئة التي تمثل أرضية خصبة للإرهاب وخاصة على المستوى المحلي من خلال التعامل بكل شفافية وديمقراطية مع المشاكل التي تعاني منها هذه الدول.

ما يلاحظ كذلك على طرق محاربة الإرهاب هو محاربة الإرهاب بالإرهاب وهذا أمر خطير لأنه سيؤدي إلى تجاوزات عديدة ومشاكل تمس حرية الأشخاص وكرامتهم في الكثير من الأحيان، ومن جهة أخرى يزيد من تفاقم الوضع وتدهوره.

المطلوب من المنظومة الدولية هو إيجاد السبل الكفيلة التي من شأنها القضاء على أسباب الإرهاب وهذا يعني إيجاد مناخ تسوده العدالة والمساواة والتعامل بشفافية وديمقراطية مع الأزمات والنزاعات الدولية وإرساء قواعد عادلة في العلاقات الدولية والاقتصاد العالمي حتى يعم الاستقرار والأمن والرفاهية والطمأنينة في جميع أنحاء العالم.

إن الإرهاب ظاهرة لا دين لها ولا طعم، ومن الخطأ الفادح ربط الإسلام بالإرهاب، فإن ظاهرة الإرهاب ظاهرة دخيلة على المبادئ الإسلامية وعلى قيم الدين الحنيف ولا يجوز ربط التنظيمات الإرهابية ووصفها بالإسلامية. وهذا يعني أن السبيل الأمثل لمكافحة الإرهاب هو التوعية والحوار وتصحيح الصور النمطية والمشوهة عن الإسلام.

والكلام عن مكافحة الإرهاب يقودنا للكلام عن الوقوف عند أسبابه والهدف هنا هو ليس تبرير الإرهاب بقدر ما هو فهم الآليات التي تفرزه ومن ثم استئصالها لاحتواء الإرهاب والقضاء عليه. معالجة الإرهاب لا تتم عن طريق قمع الرأي الآخر أو استعمال القوة وزيادة عدد قوات مكافحة الإرهاب، بل الأمر بحاجة إلى الوقوف على الأسباب الحقيقية ومعالجة المشكلة بالحكمة والموضوعية وبطريقة علمية ومنهجية.

يمكن القضاء على الإرهاب في الوطن العربي بالإصلاح السياسي والاقتصادي وبتقديم البدائل الديمقراطية التي تقوم على مؤسسات دستورية تحترم المواطن وتشركه في الحياة السياسية وفي صناعة القرار وتوفر له سبل العيش الكريم وترفع مستواه الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

تكاد تكون الطريقة الأمنية هي السبيل الوحيد لمكافحة الإرهاب في الدول العربية وهذا أمر بالغ الخطورة حيث أن الإرهاب هو إدراك ووعي وفكر مبني على مغالطات وأخطاء وتأويلات مزيفة قبل أن يتحول إلى فعل وهذا ما يتطلب معالجة الإرهاب في أذهان الإرهابيين وفي أذهان الناس.

وذلك من خلال التوعية والتثقيف والحوار وإتاحة الفرص أمام المعارضة ومختلف التشكيلات الاجتماعية والسياسية للتعبير عن نفسها والإدلاء بوجهات نظرها وأطروحاتها حتى تتحول ثقافة الإقصاء وإلغاء الآخر إلى ثقافة الحوار والنقاش والتفاهم من أجل مصلحة الجميع وحتى يتحول التطرف والتعصب والإقصاء والإرهاب إلى التسامح والحوار والتفاهم وحتى يصبح عملا سياسيا مشروعا وبناء قوامه الأخلاق والقيم الإنسانية السامية. فالعنف يوّلد العنف ومعالجة الإرهاب بالإرهاب تؤدي إلى مضاعفة الظاهرة وانتشارها.

كلية الاتصال ـ جامعة الشارقة