على امتداد سنوات الكساد الكبير بين عامي 1929 و1939، أعلن قادة وول ستريت والرئيس هربرت هوفر مراراً وتكراراً: «الانتعاش قاب قوسين أو أدنى». ونقل إيرفنغ فيشر الاقتصادي الكبير في جامعة يال الرسالة ذاتها، وقد كانوا على خطأ. والتاريخ يكرر نفسه.
اليوم يقر بن برنانكي رئيس الاحتياطي الاتحادي الأميركي أنه ما من أحد بمن في ذلك هو نفسه يمكنه أن يخمن مدى قرب أكبر البنوك في نيويورك ولندن وفرانكفورت وطوكيو من الإفلاس كنتيجة للأزمة العقارية.
لماذا هذا الفراغ من الافتقار إلى الشفافية؟ باعتباري واحداً من الاقتصاديين الرواد الذين ساعدوا في إيجاد الشكل الراهن الجديد تماماً لسوق الأسهم لا بد لي من الإقرار بالذنب فيما يتعلق بأن هذه الآليات الجديدة تقوم في وقت واحد:
1) بإسدال قناع على الشفافية.
2) الإغواء بالاندفاع نحو الإفراط في الدفع.
لماذا يتعين على قرائي من غير الاقتصاديين الاختصاصيين أن يهتموا بهذه الجوانب الفنية الواردة أعلاه؟ إن السبب الأكثر وجاهة هو أنه لا بد لنا من الشعور بالقلق حول ما إذا كانت الأدوات السياسية التي خدمت بشكل جيد الاحتياطي الاتحادي الأميركي خلال فترة تولي آلان غرينسبان رئاسته وكذلك بالنسبة لبنك انجلترا يتعين الآن تغييرها.
كان أمراً كافياً بالنسبة للمصرف المركزي أن «ينحني في مواجهة الريح». وكذلك يعني أن يقوم المصرف بخفض أسعار فائدته عندما تكون البطالة مرتفعة أكثر مما ينبغي وعندما يهدد الانكماش بالحدوث.
وعندما يكون نشاط الأعمال محتدم النمو أكثر مما ينبغي، فإن المصارف المركزية يفترض أن ترفع أسعار فائدتها لكبح جماح النمو ولإحباط التضخم الذي يهدد بتجاوز مستوى 2% سنوياً، ومؤخراً، لم يكن بمقدور مسؤولي المصارف المركزية ووزارة الخزانة أن يعرضوا ما إذا كانت أسعار الفائدة الراهنة مرتفعة أو ما إذا كانت منخفضة، هذا أمر مدهش ولكنه حقيقي.
فأكثر أسعار فائدة السندات أماناً تعد منخفضة. ولكن الذعر المالي الذي سببه انفجار فقاعة إقراض الرهون الأميركية والأجنبية يعني أن شركة عملاقة مثل «جنرال إلكتريك» ستجد أنه أمر باهظ بالنسبة لها أن تمول قرضاً تحتاج إليه لبناء مصنع جديد يتسم بالكفاءة.
الموقف ليس ميؤوسا منه. فالضوابط الجديدة والعقلانية التي تثبط الإقراض الفاحش والاقتراض المندفع كان يمكن أن تساعدنا كثيراً كذلك. وكما علمنا خلال الكساد الكبير فإن خزانة الحكومة ومصرفها المركزي لا بد لهما معاً من أن يكونا المقرضين اللذين يتم اللجوء إليهما في نهاية المطاف والقائمين الأخيرين بالإنفاق.
ذلك أن الأسواق القائمة على المضاربة لن تؤدي إلى استقرار ذاتها. إن فن السياسة الأفضل هو بالفعل الطريق الوسط حيث لا نمنح حرية أكثر مما ينبغي لقوى السوق وبالقطع لا نمنح أقل مما ينبغي.
لقد انتقلت الأسواق العالمية إلى عهد جديد، فالصين والهند بل وروسيا وإيرلندا تحقق في الوقت الراهن نمواً يعادل ضعف معدل النمو في الولايات المتحدة والدول التي تشكل جوهر الاتحاد الأوروبي. لقد مضت تلك الأيام التي كان الرئيس الأميركي يمكنه فيها أن يتحكم بمد المحيط وبجزره.
يشكل سكان أميركا 5% من إجمالي سكاني العالم ومع ذلك فإن أميركا تحظى ب20% من إجمالي الناتج الفردي العالمي. تلك هي الصورة الآن فهل يدوم هذا؟
عندما استعد لكتابة مقالة في صحيفة كهذه المقالة بعد 10 سنوات من الآن فإنني أعتقد أن أميركا ربما ستكون لا تزال في المقدمة فيما يتعلق بمتوسط مستوى المعيشة للفرد.
ولكن في الغالب فإن الصين التي حلت بالفعل محل اليابان باعتبارها صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم من حيث إجمالي الناتج المحلي ستكون بحلول 2017 قد حظيت بإجمالي ناتج محلي يعادل إجمالي الناتج المحلي الأميركي، وعندما يحدث ذلك فإن العائلة الصينية العادية ستكون مع ذلك أفقر بكثير من عائلة في الولايات المتحدة أو حتى في إيرلندا. فعلينا أن نتذكر أن سكان الصين هم أضعاف سكان أميركا أو أي دولة أوروبية.
عليكم ألا تسألوني ما الذي ستكون عليه قيمة الدولار عام 2017 سيكون الرئيس الأميركي جورج بوش ونائب الرئيس الأميركي ديك تشيني في ذلك الوقت قد تقاعدا منذ زمن بعيد، الأول في مزرعته في تكساس والثاني في مزرعته في مونتانا.
ولكن سياستهما المندفعة في الفترة من عام 2000 إلى 2007 والقائمة على خفض الضرائب والإنفاق ستكون قد أعطت ثمار بذور الحماقات التي قاما في حمق بغرسها، وحيث اننا نعيش على الدوام في المدى القصير فإن القادة العالميين ينبغي أن يقوموا بأفضل تخميناتهم فيما يتعين القيام به في عام 2008 وفيما يلي اقتراحاتي المترددة:
لا بد من متابعة التطورات بمزيد من اليقظة، وإذا منيت مبيعات التجزئة الخاصة بأميركا في أعياد الميلاد، وهو ما يمكن أن يحدث عندما تؤدي أسعار الطاقة العالية وتكاليف الرهن الباهظة إلى انكماش جيوب المستهلكين فكونوا على استعداد للتسريع بضخ الائتمان من قبل المصارف المركزية في القارات الثلاث المركزية.
ضعوا في الاعتبار تهديدات التضخم المفرط، ولكن كونوا على وعي بأن السماء لن تنطبق على الأرض إذا ارتفعت مؤشرات مستوى الأسعار من 9 .1 إلى 6 .2%. إن ما يفاقم توقعات الجمهور فيما يتعلق بعدم استقرار الأسعار هو الارتفاعات الباهظة في تكلفة المعيشة التي تجري استدامتها بشكل مزمن.
أخيراً ولتقليل عبء حبس الرهن الناجم عن الرهونات الباهظة فعلينا أن نكون رواداً على نحو ما فعلنا بمؤسسة تمويل الإعمار في مرحلة الكساد الكبير وأن نستكشف آفاق وكالات شبه عامة جديدة تتخصص في دعم المقرضين العاديين.
إن هذا الطرح يقترح توسيع نطاق قوى الاقتراض من جانب الوكالات شبه العامة مثل فاني وملي وفريدي ماك وذلك بطريقة محكومة وهذه الوكالات من الأفضل أن تخسر قليلاً عندما تساعد أصحاب البيوت ذوي الإمكانيات المتواضعة على إبعاد أخطار حبس الرهن عن رهوناتهم.
وربما قد تبرهن مثل هذه التجديدات على أنها لا حاجة لها. ولكن التخطيط الاستكشافي في السبق سيكون تأميناً يستحق القيام به إذا أخذنا في الاعتبار السيناريو الكابوسي المتعلق بتجميد البنوك ووكالات الإقراض الأخرى. إن ما لا يحتاجه العالم الآن هو التسامح مع أي ضعف مستمر في النمو العقاري العالمي.
من الأفضل أن يقلق الأطباء على نحو غير ضروري على صحة مريض ما مقارنة بأن يقلقوا قلقاً محدوداً أكثر مما ينبغي، وهذه نصيحة سديدة أيضاً لقادة الحكومات.
خدمة «لوس أنجلوس تايمز» ـ خاص بـ «البيان»