بتسجيل الهدف الوحيد والجميل والحاسم في المباراة النهائية لبطولة كأس القارة الأفريقية، حقق المنتخب الكروي المصري نصرا كبيرا لا للرياضة المصرية فقط بل لكل الرياضة العربية، ولم يبعث بمشاعر الفرحة الغامرة للشعب المصري فقط بل لكل الشعب العربي الذي يشتاق كثيرا إلى انتصارات عربية مماثلة في ميادين كثيرة.

إنها نفس المشاعر الغامرة الصافية التي اجتاحت الشعب العربي كله من مشرقه إلى مغربه عندما فاز المنتخب الكروي العراقي وسط بحور الإحباط العراقي وحقق نصره الرياضي الكبير في المباراة النهائية لكأس القارة الآسيوية ليبعث مع الفرحة العربية أكثر من رسالة لكل الساسة والسياسيين.

لقد كان أهم ما في هذا الانتصار الكروي المصري هذه المرة، هو تأكيد فكرة أن تحقيق النصر ممكن بل هو الممكن الوحيد، ليس في الرياضة فقط بل في كل الميادين المطلوب الانتصار فيها، بشرط توفر إرادة النجاح وروح التصميم على تحقيق الهدف مهما بدا صعبا، أو مستحيلا في ظل موازين غير متكافئة، وبشرط الجدية والإخلاص في العمل على توفير شروط الفوز.

وكان الأهم من ذلك، هو أن التحدي الأصعب من تحقيق النصر، بالحفاظ على النصر، ممكن أيضا بعدة شروط، أهمها إرادة القبول بالتحدي، والاستجابة للتحدي بالإصرار على النصر، والعمل المشترك بإدارة فنية وروح بشرية لاعبة ومشجعة لتوفير كل أسباب النصر، من إدارة رشيدة وتدريب جدي، وروح معنوية عالية، ثم الأهم هو اللعب بروح الفريق الواحد بما لا يلغي البطولة الفردية.

وإن كان فوز فريق مصر الواحد هو رسالة دعمتها المشاعر الشعبية العربية الواحدة، فلقد كان أجمل ما في هدف الفوز الحاسم أنه جاء بتسديد «أمير القلوب» «محمد أبو تريكه» صاحب أشرف إنذار في تاريخ الكرة، لأنه عبر كإنسان مصري عربي شجاع عن مشاعر كل عربي شريف، تعاطفا مع الشعب الفلسطيني المحاصر في غزة الذي يواجه التحديات العاتية، والمصمم على المقاومة، مثلما وحد الطفل الفلسطيني الشهيد «محمد الدرة» كل المشاعر العربية من المحيط إلى الخليج ليؤكد لكل الساسة أن الشعب العربي واحد.

ولقد ثبت دائما أن الشعب العربي الواحد توحده الأحزان كما توحده الأفراح، ويفرحه نصر أي عربي وتحزنه هزيمة أي عربي.. وليس عربي الوجدان من لا يفرح لفرحة أخيه العربي ولا يحزن لحزنه، ولا يهنئه بنصره ولا يشد من أزره عند المحن، فالعربي أخ العربي، والعدو لكل العرب واحد، والتحدي الذي يواجهه العرب واحد والأمل والألم واحد والمصير واحد.

ومهما كان من خلافات الساسة وألاعيب السياسة فإن ما يجمع العرب أكبر وأكثر مما يفرقهم، وبرغم أية ظواهر للتباعد بين النظم السياسية فإن التلاحم والتراحم بين الشعوب مازال ثابتا بثبات الثوابت الأساسية الجغرافية والتاريخية، يوحدنا الدين، وتوحدنا الثقافة، وتوحدنا الفنون، وتوحدنا الرياضة مهما اختلفت الجنسيات ومهما فصلت الحدود.

وفى زمن عربي تعز فيه الفرحة و يزدحم بالأحزان، علينا كعرب أن نتوحد في كل شيء لنصنع ما يفرح، وكما نحزن في ميادين كثيرة في واقعنا العربي، فمن الطبيعي أن نفرح بكل شيء يبعث على الفرح.

وفى زمن عربي تعز فيه الوحدة ويضعفه الانقسام، وتتراكم فيه الآلام في فلسطين أو في العراق أو في الصومال توحدا مع معاناة شعب شقيق تحت نير الاحتلال البغيض، مطلوب أن نتوحد على الأمل مثلما نتوحد في الألم.

وفى زمن عربي تفرق السياسة فيه ولا توحد، وتحاول توظيف الإعلام للتفريق لا للتجميع، مثلما تحاول توظيف الرياضة للإلهاء لا للانتماء، تقدمت الثقافة على السياسة، واحتلت الرياضة مواقع السياسة، ولكن لكي توحد وليس لكي تفرق.