الدورية العلمية هي مجلة تصدر عن جهة علمية شهرية أو فصلية أو سنوية تحتوي على بحوث ودراسات علمية متخصصة أغلبها تخضع أبحاثها للتحكيم قبل نشرها، وتصدر جهات مختلفة في العالم العربي عدداً كبيراً من هذه الدوريات مثل: الجامعات والمؤسسات العلمية الخاصة والحكومية.

وترصد تلك المؤسسات ميزانيات لهذه الدوريات دون أن يكون لها مردوداً مادياً لقلة وضعف توزيعها، ومعروف أن معظم الكمية المطبوعة من قبل أغلبها تقدم هدايا أو تودع مرتجعاتها في المخازن، فجامعة الكويت سبيل المثال تصدر أكثر من عشر دوريات تصل تكاليفها السنوية إلى حوالي مليون ونصف مليون دولار، سؤالنا هنا هل هناك مردود علمي لهذه الدوريات؟ للإجابة عن هذا السؤال نطرح الآتي إن الأمر يتوقف على نوعية ما ينشر فيها.

إن معظم الدوريات العربية أكاديمية بمعنى أنها في الأساس ويكتب فيها أكاديميون، وموجهة للأكاديميين لكن هل يقرأها الأكاديميون؟ إن الهدف الأساسي للنشر في المجلات العلمية هو للحصول على الترقية العلمية، والذين يقرأون هذه الدوريات من الأكاديميين وغيرهم قلة، وفي الأساس لاستخدام بعض الأبحاث المنشورة وكمراجع لبحوثهم الجديدة.

لكن تستغرب أحياناً للإصرار على إصدار بعض هذه المجلات التي يقرؤها عدد قليل جداً من الناس، وتتشابه في اختصاصاتها مع مجلات أخرى تصدر عن نفس الجامعة أو المؤسسة أو غيرها! هل هناك ضرورة علمية لاستمرار إصدار هذا الكم من الدوريات التي تسمى علمية، أو أنها قد أصبحت مجالاً لتنفيع دور النشر والمطابع، ومجالاً للتوظيف.

ولدي بعضها كادراً وظيفياً ضخماً يبدأ برئيس التحرير، ومدير التحرير وسكرتارية ومراسلين ومخرجين ومصححين وباحثين وموظفين آخرين، وتقرأ المجلة التي يصورونها فتجدها عادية نمطية وبحوثها مكررة وضعيفة، وعندما تسأل عن المستوى يقال لك إن جميع بحوث المجلة محكّمة، وقضية التحكيم مسألة أخرى.

فكاتب هذه الكلمات تولي مسؤولية عدداً من هذه المجلات ولا يزال ويعيش ميدانياً هذه المشكلة العلمية. إن بعض الدوريات العربية تكتب على غلافها بأنها مجلة علمية محكّمة لكن في حقيقة الأمر تحكيمها شكلياً أو داخلياً، أولاً تحكم الأبحاث، وسيقول البعض من الذين يهمهم الأمر أين الدليل؟! لا نريد أن ندخل في مماحكات أو نذكر أسماء مجلات بعينها لكن المسؤولين عن تلك المجلات يعرفون مغزى ما نقول.

وكذلك فإن القارئ العلمي يستنتج ما إذا خضعت تلك الأبحاث للتحكيم أم لا من المستوى الذي هي عليه، ويمكن الإضافة هنا بأنه قد يكون التحكيم شكلياً أي أن الأبحاث فعلاً أرسلت إلى محكمين لكن أولئك إما أنهم غير متخصصين في مجال البحث، أو أنهم ليسوا أهلاً للتحكيم العلمي، أو قد لا يقرؤون الأبحاث بجدية ويفحصونها علمياً ثم تكون النتيجة القرار في الغالب بصلاحيتها للنشر.

والذي يستعرض حجم ما يصدر من الدوريات في العالم العربي قد يخرج بنتيجة مفادها تقدم هائل يحدث في المجالين العلمي والثقافي! لكن في حقيقة الأمر ليس ذلك صحيحاً، فجامعاتنا ومؤسساتنا العلمية متخلفة، وإن إخضاع هذه الدوريات للتقييم العلمي الموضوعي الدقيق سيكشف ضعف أغلبها وعدم جدوى استمرار بعضها.

وإن صدورها هو هدر للأموال، وتعيش تضخماً وظيفياً لا مبرر لها، بيد أنه لابد من الإشارة هنا إلى أن هناك عددا من الدوريات العلمية العربية تتمتع بمكانة علمية وثقافية جيدة ورصينة ولكنها قليلة قياساً على الكم الهائل الذي يصدر من تلك الدوريات.

ويرى عدد من المسؤولين والأكاديميين أهمية استمرار صدور الدوريات حتى تلك التي تشكو من ضعف ومشكلات وينطلقون من مقولة يرددونها دع مئة زهرة تتفتح وعلى أمل إصلاح أحوالها في المستقبل.

هذه وجهة نظر نحترمها لكن نقول إن ذلك ممكن لو كانت هناك جدية في التقييم الدوري لما ينشر في تلك الدوريات، ولأهمية محتوى الدراسات التي تتناولها تلك الدراسات، كذلك وهذا مهماً أن هناك من يقرؤها فعلاً، والمقياس ليس من خلال ما تقدمه تلك المجلات من إحصائيات حول توزيعها لأنه قد تكون الإحصائيات التي تعلن عنها خادعة وغير دقيقة.

هذه ليست دعوة لإغلاق بعض تلك الدوريات، ولا لقطع عيش من يعملون فيها، وإنما هي معالجة لإشكالية تحتاج إلى وقفة تأمل وتقييم موضوعي لمعرفة جدوى ما ينشر فيها. إن إصدار هذا الكم من الدوريات يفترض أن يترتب عليه تأثير علمي وثقافي في تلك المؤسسات التي تصدرها، وفي الأوساط العلمية والثقافية في المجتمع فهل ذلك فعلاً هو الواقع؟

نعمد في بعض الأحيان إلى إثارة بعض الأسئلة ونحاول الإجابة عنها، وفي أحيان أخرى لا نملك الإجابة عنها أو على الآخرين المعنيين بالأمر الإجابة عنها الآن ونحن نثير هذه الإشكالية حول الدوريات العلمية العربية ما هي ملاحظاتنا ومقترحاتنا الختامية:

أولاً: إن عدداً كبيراً من هذه الدوريات تصدرها بعض الجامعات العربية، وترصد لها ميزانيات ضخمة، وتعاني من تضخم وظيفي، ولا توزع أكثر من 25% أو أقل من الكمية التي تطبعها!

ثانياً: إن بعض المجلات والدوريات التي تصدر عن جهات علمية وحكومية متشابهة في اختصاصاتها، حيث يمكن الاستغناء عن بعضها أو دمجها في مجلة أو دورية واحدة.

ثالثاً: إن توزيع المجلة المجاني أو للإهداء خاصة المجلات الجامعية والحكومية ليس دليلاً على مستوى التوزيع، ولا على إقبال القراء عليها.

رابعاً: إن بعض المجلات تنشر أبحاثاً أكاديمية جافة وشديدة التخصص بحيث لا يقرؤها غير المتخصص في مجال تخصص المجلة.

خامساً: إن كثيراً من الأبحاث المنشورة في هذه الدوريات ليس فيها إضافة علمية أو إبداعاً أو جديداً في مجال التخصص وهي تكرار لموضوعات ودراسات سابقة.

سادساً: هناك ضعف أو لنقل أزمة في التحكيم لدي بعض المجلات (العلمية) بدليل ضعف محتوى الأبحاث، وكثرة المشكلات العلمية فيها أو الأخطاء العلمية في عدد منها.

سابعا: هناك مشكلة اعتماد بعض الدوريات والمجلات العلمية من قبل الجامعات، حيث تختلف معايير تلك الجامعات في اعتماد المجلات خاصة لترقية أعضاء هيئة التدريس في الجامعات والاختلاف حول مفاهيم النشر فيها. إن بعض المصطلحات مثل (مجلة معتمدة أو عالمية)، أو غير ذلك تحتاج إلى تفسير وتوضيح.

ثامناً: إن بعض الدوريات العربية تنشر دراسات بلغة أجنبية إلى جانب العربية، أو ملخصات لأبحاثها بلغة أجنبية، وهذه دون شك تكسبها قوة علمية أكثر من غيرها. هذه بعض الملاحظات والمقترحات حول إشكالية المجلات والدوريات العلمية العربية التي لا يقرؤها إلا العدد القليل، وإن أمرها ليس خاصاً بالأكاديميين بل كذلك بالمثقفين أيضاً.

كاتب كويتي