عندما بدأت الحرب الأهلية في لبنان في عام 1975 لم يكن »حزب الله« ـ رأس حربة المقاومة الوطنية اللبنانية المسلحة ضد إسرائيل ـ قد خرج إلى حيز الوجود في الجنوب اللبناني.. فكان دخول إسرائيل على خط الحرب من أجل تصفية الوجود الفلسطيني المسلح في الأراضي اللبنانية، الآن سيكون الأمر مختلفا إذا تجددت الحرب الأهلية، فسوف تتدخل إسرائيل عسكريا بهدف تدمير قوات حزب الله كليا أو جزئيا، لكن.. هل من المرجح فعلا أن تندلع في لبنان حرب أهلية جديدة؟
قبل يومين ألقى زعيم طائفة الدروز وليد جنبلاط خطابا ناريا على جماهير قاعدته الطائفية يمكن أن يعتبر بمثابة قرع طبول الحرب ودعوة مبطنة إلى القتال. قال هذا الزعيم الذي يصنف داخل إطار »أمراء الحرب« إن »قوى 14 آذار« ـ أي التنظيمات الطائفية المتحالفة ضد حزب الله بزعامة حسن نصر الله و»التيار الوطني« بقيادة العماد ميشيل عون ـ على استعداد »لمواجهة الحرب والفوضى« إذا كان ذلك ما تسعى إليه المعارضة.
هذه دعوة نابعة من استفزاز مفتعل فالمعارضة لم يصدر عنها أي قول أو فعل يفيد بأنها تسعى إلى إشعال حرب داخلية أو فوضى، والواضح إذن هو ان السيد جنبلاط يعمد إلى استدراج حزب الله والمعارضة إلى اشتباك قتالي دموي يتصاعد سراعا إلى مستوى حرب أهلية شاملة.
لماذا؟ وما هو مغزى الاستدراج؟
الإجابة ببساطة هي ان من المرجح أن جنبلاط يهدف للقضاء على القوة القتالية لحزب الله.
ويبدو السيناريو كالآتي: تبادر ميليشيا جنبلاط الدرزية إلى شن هجمات استفزازية على قواعد حزب الله وقواته وعندما يرد حزب الله بهجمات مضادة تكون هذه هي بداية الحرب الأهلية الشاملة.. فتدخل الساحة القتالية ميليشيا »القوات اللبنانية« المارونية إلى جانب الميليشيا الدرزية. وفي مرحلة لاحقة تقتحم قوات إسرائيلية الجنوب اللبناني، وهكذا تتشتت قوة حزب الله القتالية على جبهتين، فيصبح إلحاق هزيمة حاسمة بها مسألة وقت فقط.
منذ أن انهزم الجيش الإسرائيلي في صيف عام 2006 على يد قوات حزب الله، وإسرائيل ـ شعبا وقيادة ـ تعاني شعورا عاما بالخزي الذاتي وأذيع قبل أسبوعين »تقرير فينوغراد« ليضاعف من هذا الشعور بالخزي والانكسار وبالتالي تتحرق القيادة الإسرائيلية إلى أي فرصة ملائمة للثأر واسترداد الكرامة المهدرة، ومن هنا يكون السيناريو المشار إليه آنفا قابلا للترجيح.
الهدف الأساسي هو العمل على إضعاف حزب الله كقوة للمقاومة الوطنية حتى لو تطلب الأمر إشعال حرب أهلية، لكنهم الآن يلعبون بالنار فلا هم ولا القادة الإسرائيليون يريدون أن يدركوا أن الأحداث على أرض الواقع أثبتت عمليا أن حزب الله قوة غير قابلة للهزيمة.
وإن كان جنبلاط ورفاقه قد طالعوا تقرير القاضي الإسرائيلي إلياهو فينوغراد عن العدوان الإسرائيلي على لبنان وحزب الله في صيف عام 2006 فليعيدوا قراءة الفقرة التي تساءل فيها القاضي: كيف تسنى لتنظيم شبه عسكري يتكون من ألفين إلى ثلاثة آلاف مقاتل أن يلحق هزيمة ساحقة بأكبر وأقوى جيش في منطقة الشرق الأوسط مزود بأحدث التكنولوجيا العالمية؟