التحذيرات من أن الأزمة اللبنانية بلغت الخطوط الحمراء؛ وأن منسوب الاحتقان يرتفع بصورة تهدد بخروج الوضع عن السيطرة، تكررت على غير انقطاع؛ في الآونة الأخيرة. وهي في محلها، لا مبالغة فيها ولا تضخيم. خاصة خلال فترة الفراغ الرئاسي، المتواصلة منذ الرابع والعشرين من نوفمبر الماضي.

تعقيدات وانسدادات الوضع، فضلاً عن تعثّر المبادرات والوساطات؛ أوحت بمثل هذه المخاوف، التي تتراكم معطياتها يوماً بعد يوم. لكن عندما يقول رئيس مجلس النواب اللبناني، الرئيس نبيه بري، بأن «البلد على كف عفريت»، عندئذ تكون الأمور أبعد وأخطر من قرع لناقوس الخطر.

تكون قد دخلت فعلاً في دائرة الخطر. فالرجل يتحدث من موقع العارف بأدق تفاصيل الأزمة؛ كما من موقع المسؤول رقم 2 في هرم السلطة. والأهم، أنه طالما عرف عنه التشبث بالتفاؤل والتحدث بلغة الحلحلة والحل.

وإذا به الآن ينتقل إلى وضع الحالة في خانة الخوف على المصير؛ كوطن وكدولة. كلام، بقوة الصدمة الكهربائية؛ يصدر عنه لأول مرة وبهذه العلنية. وبذلك فهو موجّه إلى كافة المعنيين بالساحة اللبنانية.

لكن ينبغي أن يكون برسم الأطراف اللبنانية؛ أساساً؛ وبأسرع ما يكون. فالفسحة تضيق مساحتها، حتى تكاد تتلاشى. تطورات الأيام الأخيرة، الأمنية منها والسياسية، تنطق بذلك. الخطاب السياسي اندفع بسرعة، نحو لغة المواجهة.

مفردات غير مألوفة، على الأقل في التداول العلني، أخذت تتطاير بين المحاور. تعنّف التراشق على نحو يهدد بإشعال الفتيل في أية لحظة. خاصة وأن الصواعق والأرضية، كلها جاهزة. تسخين غير مسبوق بدرجة حرارته، لم يخفف من حدّته والتهابه ما تلاه مما بدا أنه تراجعات، بهدف تبريد الأجواء.

الواقع أن الأجواء ساخنة بحالها؛ وأن ما طلع إلى العلن من غير المسبوق؛ جاء في امتداد لغة متبادلة بين الفريقين؛ منذ فترة غير قصيرة، بصورة أو بأخرى.

وذلك من باب تحصيل الحاصل. فعندما يصل الانسداد السياسي، للأزمة المستفحلة، إلى الحدود التي وصلها؛ وفي ظل أجواء مشحونة وبالغة الهشاشة، كالتي يعيشها لبنان اليوم؛ عندئذ يحدث التصعيد الموازي لتخوم الاشتعال.

وهذا ما حصل وما يهدد بالتالي بتكرار الخطاب وعلى أعنف؛ وتكرار ما واكبه أو سبقه بساعات، من أحداث أمنية متفرقة، حملت الجميع على وضع أيديهم على قلوبهم. فالهاجس الأمني بات الواقع السائد. وقد صار من الثابت بالتجربة أن الخلاص من طغيانه، لا مدخل له سوى التوافق على الخروج من المأزق السياسي. وبالتحديد من الفراغ الرئاسي.

في كلام الرئيس بري استشعار وإنذار. استشعار بأن الخطر على لبنان بدأ يختمر. وإنذار، ربما أخير، بأن صحوة ما، غير اعتيادية، باتت مطلوبة الآن وليس غداً، للإنقاذ. وذلك بطبيعة الحال، له شروطه.

على رأسها إعادة النظر بالحسابات، اللازمة للإسراع بعملية الإنقاذ، الذي لم يعد يحتمل التأجيل ولا، طبعاً الاستمرار في ممارسة اللعبة السياسية، على طريقة العض على الأصابع أو شدّ الحبل. فهذا الأخير يكاد ينقطع. حينذاك يلعب العفريت لعبته الجهنمية بالمصير بتطيير البلد ووضع الجميع في خانة الخاسرين.