تُرى إلى أين لبنان هو ذاهب وسط تلويح بالحرب وتحذير من الغضب؟ لا يمكن أن يجيب من يشاهد ويسمع هذا التسخين الذي بلغ أعلى درجاته بين الأكثرية والمعارضة، إلا بأن يقول إن حرارة هذا التسخين قد تجاوزت كل ما كان ينظر إليه على أنه درع واقٍ يمنع وصولها إلى مراجل الغضب الممتدة على طول وعرض شوارع لبنان لتزيدها غليانًا، مصحوبةً برياح حارقة لتزيح الرماد عن النار التي تحته، وما بين هذا وذاك يشير إلى أن حلول الإطفاء والتبريد منها ما أثبت عجزه عن إحداث أي اختراق يريق المياه التي تغلي، ومنها ما يصارع ويعاجل الأيام قبل أن تثبت هي الأخرى فشله في تبريد تلك المراجل أو يطفئ النار المخبأة تحت الرماد، كما هو حال المبادرة العربية التي صدرت عن اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة في الخامس من يناير الماضي، إذ لا يبدو هناك ما يلوح في الأفق أنها تتجه إلى نجاح، بل بوصلة كل المؤشرات، في ظل هذا التناحر السياسي غير المسبوق، تشير إلى أن عدم التوافق عليها قد أعدَّ نعشها ولم يتبق عليه إلا أن يحرر شهادة وفاة لها ويطوى رسمها، لأنه ما الذي تبقى ولم يحدث.
هناك اختبارات حدثت على الأرض أرادت أن تمحص درجة التحلي بالصبر والحذر من الوصول إلى نقطة المواجهة التي طالما تغنى بها كل طرف، فجاءت أحداث يوم الأحد الأسود السابع والعشرين من يناير الماضي لتكشف عن وجود حالة تسلل هدفت إلى الاصطياد في الماء العكر وإيقاظ الفتنة النائمة التي لعن الله من أيقظها، والتي لم يزل إلا طريق واحد لم يسلكه الساعون إليها، وهو إحداث شرخ عميق داخل المؤسسة العسكرية المتمثلة بالجيش كونها آخر حصن يحتمي به شعب لبنان من شبح الفتنة التي كل الظروف تسير نحو خدمتها، فالشيطان كامن في كل التفاصيل فلا يكاد هناك تفصيل إلا والشيطان ينفث شروره وسمومه من خلاله باتجاهي الأكثرية والمعارضة، وما ينقص الوضع المتأزم والمشحون بدرجة غير مسبوقة هو شرارة الانطلاق.
إن هذا الاقتتال داخل البيت اللبناني لا يخدم سوى أعداء لبنان الذين يريدون منه جبهة أمامية لهم لتحقيق أغراضهم الدنيئة، فكيف يرضى أهل هذا البيت بتقديم بلدهم قنطرة يعبر عليها الأعداء ونحو مَنْ؟ نحو أبناء جلدتهم، وكيف يقبلون أن يذبحوا وطنيتهم قربانًا لهؤلاء الأعداء؟ وإذا كان ثمة صراع إرادات فيجب أن يكون في إطار المصلحة الوطنية وخدمة لبنان وتنميته، والبحث عن أنجع السبل لانتشاله من حالة الانعزال والانقسام والسير به إلى حالة الوفاق والانطلاق والوحدة والنماء، والعمل على عودته كسابق عهده قبلة حضارية ومثالاً حيًّا على ما تمتاز به هذه المنطقة من حب وسلام ووئام يدل عليه هذا التعدد الطائفي الجميل.
إن لبنان بحاجة ماسة اليوم إلى أبنائه ليحتضنهم ويشعروا بدفء الوطن، وتسليم روح لبنان بأيدي أعدائه يتنافى مع كل أبجديات المسؤولية الوطنية، والحقيقة التي يجب أن لا تفارق مخيلة الفرقاء اللبنانيين أن الجميع هالك، ومن يتصور أنه ناجٍ من المحرقة التي سيرمون لبنان فيها، فهو مخطئ فالوطن واحد ولا يتجزأ ومن أراد أن يأخذ وطنًا بديلاً، فلن ينجو أيضًا من محرقة التاريخ ومزبلته.
حري بالأطراف اللبنانية الآن أن تعود إلى رشدها وصوابها وتغليب صوت العقل، والتخلي عن العنتريات التي لا تحفظ بلدًا ولا تبعد شرًّا، والتوافق على المبادرة العربية واعتمادها كخيار في سبيل الخروج من هذه الأزمة، وعدم البقاء في دائرة التراشق البغيضة، فالسياسة دللت في مراحل سابقة أن التراشق والتلاسن بداية المواجهة، أعاذ الله لبنان وحماه منها.
