الحرب الأميركية على العراق أو غزو العراق تلك المغامرة الأميركية تعد منحدرا حاسما في تاريخ العراق خصوصا والمنطقة العربية عموما.
في تاريخ الحروب منذ خلق البشرية كان لابد من وجود مهزوم ورابح بغض النظر عن نسبة الربح أو الخسارة ففي الحرب قلما توجد ارباح خالصة دونما خسائر مريرة تغزو حتى القادة المتباهين بالنصر، في حرب العراق تباهت الادراة الأميركية بنصر أزاح عن العالم الخطر والتهديد الذي كان يمثله النظام العراقي الذي اعتبرته إدارة بوش رأس محور الشر في الشرق الأوسط.
الحرب كلفت العراق خسائر سوف تمتد إلى عقود طويلة حيث لم تكتف هذه الحرب بتغيير شكل النظام العراقي بل انها غيرت شكل الطبيعة البشرية والجغرافية للعراق ولان حسابات الولايات المتحدة لم تكن دقيقة بل هي عبارة عن سلسلة من القرارات المستعجلة والهوجاء فان الولايات المتحدة خسرت هي الأخرى في هذه الحرب فجثث الجنود الاميركان صارت فضيحة لا يمكن تغطيتها.
وتكاليف الحرب صارت اكثر بكثير من أرباحها النفطية وتحولت تلك التكاليف إلى ابرز معالم فشل الإدارة الأميركية علما بان تكاليف الحرب هي من اهم معايير النجاح والفشل في الحسابات الأميركية لأي عمل عسكري، فضلا عن الفشل الاستراتيجي.
حيث ان الهدف الاستراتيجي الأميركي لم يكن غزو العراق والتوقف هناك بل هو في الواقع محاصرة تلك القوى التي تهدد امن إسرائيل والمخطط الأميركي الغربي لتحويل شكل منطقة الشرق الأوسط، وهذه القوى هي إيران سوريا حزب الله في لبنان وحماس في فلسطين.
الواقع ان ما فعلته إدارة بوش لم يكن إعجازاً فجميع الإدارات الأميركية كانت قادرة على النجاح ليس لأن العراق أو غيره دولة ضعيفة أو غير قادرة على مواجهة الولايات المتحدة ولكن لان الولايات المتحدة قوة عسكرية لا تمتلك احدث الإمكانات العسكرية فحسب بل كذلك تمتلك أهم النقاط الاستراتيجية واللوجستية التي تتيح للقوات الأميركية حرية وسلامة الهجوم العسكري.
وبالتالي فان محور الحرب لم يكن حرجا أمام الولايات المتحدة والنصر على العراق ليس إعجازاً علما بان في دراما الحرب والعمليات العسكرية سجلت اداءا أميركيا ضعيفا في كثير من المعارك في وقتها ومنها معركة البصرة ومعركة النجف، الا ان الإمكانات الضخمة التي رصدتها الإدارة الأميركية لهذه الحرب .
بالإضافة إلى ان جيش الولايات المتحدة العرمرم كان يواجه جيشا اكلته سنوات الحصار الطويلة، وبالتالي فان الحرب على العراق كان نصرا ممكنا، القصد من تلك التذكرة هو ان حجم الاحتفال الأميركي بالنصر في حرب العراق لم يكن متناسبا مع حقيقة تلك الحرب. اما اذا استعرنا مقولة (كلاوتز فيتز) الحروب بنتائجها عند ذاك يجب ان لا تعتبر الادارة الأميركية نفسها رابحة ابدا في حرب العراق.
فالحقيقة ان دراما الأحداث ما بعد غزو العراق افرزت جملة من المتغيرات في شكل وجوهر الاستراتيجية الأميركية.
فالرياح في العراق سارت بما لا تشتهي السفن الأميركية في الشرق الأوسط ومعادلة العراق صارت أزمة مكلفة أثرت في الطريقة الأميركية في اداء الحرب..
فالولايات المتحدة وتحديدا بعد حرب فيتنام صارت تمارس الحرب بطريقة الهجوم السريع والخروج الأسرع، عبر الاعتماد بصورة أساسية على الهجوم الجوي العالي التقنية.
في حرب العراق الولايات المتحدة دشنت الغزو وأسلوب القتال في المدن ويبدو ان هذا الأسلوب لم يكن ناجحا بل انه ذكر الأميركيين بويلات حرب فيتنام.
الآلة العسكرية الأميركية وفق رؤية الإدارة الأميركية قادرة على شن حربين في آن واحد وهذا قد يكون كلام ممكنا ولكن السؤال هو مدى قدرة هذه القوات على الحسم وتحقيق الأهداف وهذا الموضوع في الواقع غير ممكن وهو ما أثبتته الحرب في أفغانستان والعراق فكلا الحربين لم تحققا الأهداف المرجوة، ربما نجحت في البقاء ولكن حتى هذا البقاء ليس وقتا مطلقا .
حيث قلت خيارات الإدارة الأميركية خاصة بعد الفشل السياسي في العراق وتردي الوضع الأمني وازدياد هجمات الخلايا الإرهابية. إضافة إلى ان كفة توازن القوى في العراق صار يميل كثيرا باتجاه قوى الجذب الإيراني.
إذن أمام إدارة بوش لم يعد سوى خيارات محدودة اما الانسحاب والاعتراف بالهزيمة أو الاستمرار وتحمل الكارثة أو الاتجاه نحو حرب أخرى.
المتغير الآخر الذي ولدته تجربة الولايات المتحدة في العراق هو ان أي حرب مقبلة للولايات المتحدة يجب ان يتم ضمان الإنفاق عليها من قبل القوى الإقليمية الرئيسية، ويجب ان تحظى بقبول ذاتي أو إجباري من قبل تلك القوى.