بعد ما يقارب الخمس سنين تحت نيره لا يخفى على أحد طبيعة الاحتلال الأميركي للعراق بما فيه من قسوة ووحشية وجرائم وانتهاكات لحقوق الإنسان.

ويعاني من الاحتلال الأميركي وتبعاته كل الشعب العراقي حتى الذين استبشروا به خيراً عند قدومه كمبشر في إحلال الديمقراطية، لاتساوي «الديمقراطية» بأسلوب الإدارة الأميركية هذا كسراً يسيراً من الدماء والدموع والمآسي والدمار الذي لحق بالعراق ومن يعنيهم أمر العراق، ولا يعني ذلك أن الديمقراطية الحقيقية أمر مرفوض في عقلية أهل المنطقة، لا بل على العكس من ذلك فالشعوب مستعدة لدفع أبهظ الأثمان في سبيلها.

لكن ديمقراطية الرئيس الأميركي لا تقطر من جوانبها إلا حمر الدماء وسود الويلات والمآسي والنزوح المريع عن الديار والأوطان.

مع ما سبق ذكره من ويلات ومآس تقشعر لها بدن الإنسانية يطفو على سطح الأحداث المتتالية ظاهرة استهداف المدن العراقية بشكل مأساوي، في العام 2004 تم استهداف مدينة الفلوجة المقاومة للاحتلال الغاشم من قبل حكومة الدكتور إياد علاوي الذي شارك بقوات حكومته في مساعدة الجيشين الأميركي والبريطاني على تدمير المدينة وإحلال النكبة بأهلها. في ذلك الوقت كان المبرر الأميركي المساق هو ملاحقة عناصر تنظيم «القاعدة».

ومنذ ذلك الحين لا تزال مدينة الفلوجة تئن تحت حصار عسكري خارجي تفرضه القوات الأميركية والحكومية على أهلها وتذيقهم مر العذاب والويلات، ولا يزال الدكتور إياد علاوي ناجياً من أية مساءلة قانونية أو سياسية أو إدارية من أية جهة نافذة في الحكم، ذلك يعني أن الكل في نظام الحكم العراقي الجديد شريك بطريقة أو بأخرى في جريمة تدمير المدينة واستمرار حصارها وتقطيع أجزائها بالجدران البينية العازلة.

في العام 2006 قادت حكومة الدكتور إبراهيم الجعفري عملية الهجوم المدمر على مدينتي تلعفر في الشمال والرمادي في الوسط غربي العاصمة بغداد، وتم تقسيم المدينتين داخلياً بجدران الخرسانة المسلحة وعند المداخل بواسطة وحدات الجيشين الأميركي والعراقي الجديد، ولم يقتصر الأمر على المدن البعيدة عن العاصمة لكن بغداد نفسها وضواحيها عانت على الدوام من التدمير والحصار والتقطيع والإذلال المبرمج.

المدن الأخرى وخلال حقبة الاحتلال لم تكن كثيراً أوفر حظاً من المذكورة هنا إذ أن جبروت الآلة الحربية الأميركية لا يرحم لا ضعيفاً ولا موالياً أو معتدلاً، إذا ما أرادت الآلة الحربية الأميركية ضرب بلدة أشاعت في الأجواء أنباءً عن تحصن أفراد من تنظيم «القاعدة» فيها وذلك ما يرشحها لإيقاع الدمار فيها وقتل أعداد من أهلها.

حالياً جاء دور مدينة الموصل في الشمال العراقي. تتكرر نفس الأسطوانة المشروخة ألا وهي أن الجيش الأميركي يريد تحرير المدينة من سيطرة تنظيم «القاعدة» عليها. وبدورها الحكومة الحالية برئاسة الدكتور نوري المالكي على أهبة الاستعداد للتصديق على أي قرار أميركي وتنفيذ أية أوامر تأتي إليها لاقتحام المدينة وتحمل ما قد ينتج عنها من تبعات رهيبة.

يبدو الأمر بالنسبة للسيد جورج بوش من السهولة بمكان فهو معصوم من المساءلة حتى بعد خروجه من الحكم في نهاية العام الحالي، ويقع على عاتق الحكومة العراقية برموزها الحاليين البارزين المصارعة والمقارعة وإقناع الآخرين بأنه ليس في نيتهم إيذاء العراقيين؛ «هم فقط يريدون أن يلحقوا الهزيمة النكراء بفلول تنظيم القاعدة»!.

اختيار المدن وإن بدا للبعض غبياً بشكل فاحش إلا أنه من المكر والدهاء والذكاء والتخطيط الاستراتيجي بمكان. فيه يتم استدراج الحكومة التي تسيطر عليها أحزاب الأكراد والشيعة إلى ترسيخ فكرة الاستهداف على أساس طائفي وعرقي بهدف وضع تقسيم العراق حقيقة راسخة لا مفر منها. في ذلك يسهل على المحتل الأميركي إقناع الأحزاب السياسية والكردية والشيعية وحتى السنية المنخرطة في العملية السياسية العاقر بتنفيذ أوامره واتباع توصياته.

في كل خطوة تخطوها الحكومات العراقية المتعاقبة تترك بصمات طائفية وعرقية ليس بالسهولة التخلص منها حتى على المدى البعيد، العراق كما بغداد اليوم مقسم إلى أقاليم شيعية وسنية وبدرجة أقل قوميات ومذاهب وأديان أخرى، وفي جل المدن العراقية وقعت عمليات تطهير عرقي وطائفي تم «تعميدها» بعمليات قتل وإعدام جماعية حاشدة، والحديث الآن يجري عن حوالي نصف العائلات العراقية ممن نُكبت أو جُرحت عميقاً بعزيز عليها.

في مدينة الموصل الشمالية يتم حشد الأطراف الفاعلة على الساحة السياسية العراقية لمهاجمة المدينة، الأحزاب الكردية والشيعية الحاكمة بشكل أساسي ورئيسي. ما تقوم به الأحزاب الكردية الآن برئاسة الأستاذين جلال الطالباني ومسعود البرزاني هو نفسه الذي كانت تعيب فيه على نظام الرئيس صدام حسين في الثمانينات وبداية التسعينات من القرن الماضي.

يغيب عن بال هؤلاء أن محاصرة المدن وضربها هي غاية في الغباء والسذاجة والجريمة أُسقطت من حسابات الحروب منذ وقت طويل بسبب نتائجها الكارثية على المدى البعيد. تحتوي المدن على وفرة كبيرة من الأطفال والشيوخ والنساء. الأطفال يكبرون بسرعة ويتساءلون عما جرى لهم، والنساء تربي أطفالها وتعلمهم عما جرى للمدينة أثناء الحصار، والشيوخ الماضون ينقلون إلى الأجيال القادمة تجاربهم في الحصار وشروره وسيئاته، والخلاصة المستنتجة هي أن أهل العراق الجديد ليسوا بحاجة إلى من ينتقم لماضيه بشكل جماعي حاشد بهذا الشكل الثأري الحاقد.

على الذين يقررون محاصرة المدن وضربها الاستفادة من تجربة الاحتلال الإسرائيلي مع المدن الفلسطينية الصامدة المقاومة. لم تنجح آلة الحرب الإسرائيلية من إخضاع أو إركاع مدينة أو بلدة فلسطينية واحدة بقوة السلاح وقسوة الحصار وطوله، من الممكن تدمير بلدة على رؤوس أهلها العزل، كما حدث مع مخيم جنين، لكن من العبثية بمكان إنهاء مقاومة الاحتلال في تلك البلدة حتى وإن هجرها جل أهلها هرباً من آلة الحرب الغاشمة الرهيبة.

في الماضي القريب فإن حصار المدن وتدميرها لم ينفعا الجيوش النازية الجرارة التي كانت تجتاح الدول المعادية وتقضي على قواتها العسكرية في غضون أيام معدودات. إن قوة الشعوب المقاوِمة للاحتلال لا تقهر، قد تُدمَّر أو تُنهَك أو تُستنزَف بشكل تراجيدي لكنها لا تُهزَم على الإطلاق. المدن العراقية ليست استثناء في المقاومة بل على العكس من ذلك فالمقاومة العراقية الشامخة لا تزال مستعرة بعد ما يقارب الخمس سنوات على بدء الاحتلال الأنجلو ـ أميركي.

حتى ما بعد مجيء «الديمقراطية» على الطريقة الأميركية إليها لا تزال القيادات السياسية العراقية تمارس نفس أساليب الاحتلال العسكري والأنظمة الدكتاتورية والشمولية المنتشرة عبر العالم، في العام 1982 حاصر الجيش الإسرائيلي معظم المدن اللبنانية الجنوبية والعاصمة بيروت وأوقع دماراً هائلاً فيها.

لكن ذلك ساهم في احتضان الشعب اللبناني للمقاومة اللبنانية التي ألحقت أكبر الهزائم بإسرائيل لاحقاً. في يوغوسلافيا السابقة أقدم الجيش الحكومي على تدمير المدن المتمردة في كرواتيا والبوسنة والهرسك ولاحقاً في إقليم كوسوفو. لكن الجيش اليوغسلافي بطريقته هذه ساهم في تسريع تفكيك يوغوسلافيا السابقة وتقسيمها إلى دويلات. وفي مثال آخر حاولت موسكو إخضاع المقاومة الشيشانية عن طريق تدمير المدن في جمهورية الشيشان، لكنها منيت بالفشل الذريع حتى مع الدمار الهائل الذي ألحقه الجيش الروسي بأهل الشيشان.

خلاصة القول إن استضعاف المدنيين ومحاصرتهم وضربهم كفيل بالإتيان بنتائج عكسية على الطرف الذي تسيطر عليه نزعة الجبروت والصلف. ستبقى كافة المدن العراقية في حالة مقاومة حتى يتحرر العراق بأكمله من نير الاحتلال الأميركي.

على الفئات السياسية العراقية أن تسعى للمصالحة والتسامح والتآخي فيما بينها وأن يعرف الجميع أنه في مثل حمام الدم هذا لا يوجد من يمكن أن يطلق عليه غالب أو كاسب وآخر مغلوب أو خاسر. التاريخ والبشرية في هذا السياق لا يرحمان المغفلين والأغبياء والذين يضعون رؤوسهم في الرمال ويظنون أن الآخرين لا يرون.

جامعة الإمارات

Nasrin@uaeu.au.ae