في حين يتوقع من الكاتب أن يبشر ولا ينفر وييسر ولا يعسر، يتوجب عليه أن يفسر ولا يبرر وأن يقرر ولا يزور.. وفى حين ينتظر منه أن يمدح ولا يقدح ويفرح ولا يترح، يرى من واجبه ألا يكتم بل يصرح أو لا يعتم بل يوضح، لكن المهم أن يتوفر له الضوء الكافي لكي يحسن الرؤية، والحرية الكافية لكي يحسن التعبير عن الرأي، والأهم من ذلك أن يتوفر فيه ذلك القلب الكبير والعقل الكبير والضمير المنير.
فسلامة ا لرأى من سلامة الرؤية لما هو حق ولما هو باطل، ولما هو صواب وما هو خطأ، وما هي مبادئ ثابتة وما هي مصلحة متغيرة، وسلامة العقل أيضاً من سلامة القلب، ولا مجال لضمير يمكن أن ينير الرؤية ويجلى الرأي إلا إذا سكن في بنية قلب سليم وبالتالي عقل سليم، مصداقا لوصف العزيز الحكيم والسميع البصير بأنه «لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور».
ولأن الإنسان الكاتب في النهاية هو موقف مع الحق بالحقيقة، فإن أشرف واجبات الإنسان السوي القلب والعقل والضمير عموما والكاتب خصوصا، هو الوقوف مع ما يراه حق وضد ما يراه ظلم، وأن يملك شجاعة تصحيح رؤيته وتصويب رأيه كلما عز عليه الضوء المتاح أمامه فوقع في الخطأ، وأن يحمله ضميره الإنساني والمهني على أن يراجع نفسه بل وأن يتراجع إذا شعر أنه وقع في ظلم أحد خوفا أو طمعا أو مجاملة لأحد، أو مجافاة مبدأ إنساني أو ديني أو قومي أو وطني.
وربما أرى وأتمنى أن أكون مخطئا أن ما جرى ويجرى من غزو واحتلال صهيو ـ أميركي لفلسطين وأفغانستان والعراق والصومال، ومن تدخلات عسكرية تحت لافتة القوات الدولية بضغوط أميركية وصهيونية في لبنان والسودان.
ومن محاصرة المقاومة الشعبية لذلك، والصمت الرسمى العربي عن المقاومة السياسية لكل ذلك، ومع ما بدأ يجرى الحديث عنه صهيونيا وأميركيا من استدعاء قوات دولية أوروبية لحماية أمن إسرائيل على الحدود المصرية الإسرائيلية والفلسطينية بعد رفض إسرائيل زيادة عدد القوة المصرية المحدودة والمحددة بـ 750جنديا فقط، فضلا عن الموجود أصلا من قوات مراقبة أممية أميركية وأوروبية في سيناء المصرية تنفيذا لاتفاقيات السلام المصرية الإسرائيلية.
ثم ما جرى من العمل الأميركي الصهيوني الدؤوب والمعلن على إغلاق الآفاق أمام إعادة الوحدة الوطنية العراقية واللبنانية من جهة والفلسطينية من جهة أخرى بهدف تكريس الانقسام الوطني بين العرب والمسلمين وبين السنة والشيعة في العراق، وبين الموالاة والمعارضة في لبنان، وبين فتح وحماس في فلسطين، لتعميم العرقنة واللبننة على المستوى العربي بإشعال الفتنة الأهلية وخلق العدو البديل للعدو الحقيقي الذي يحتل الأرض العربية.
ثم أخيرا ما جرى من حصار غذائي ودوائي لا إنساني وظلم إجرامي صهيوني بهدف انفجار المحاصرين الفلسطينيين على الجبهة المصرية لخلق فتنة مفتعلة فلسطينية مصرية وتصدير الأزمة الإسرائبلية إلى مصر العربية وغزة الفلسطينية، يشير إلى ما يحيط بالأمة العربية والإسلامية من سيناريوهات وأخطار وفتن استعمارية لا عربية ولا أسلامية ولو بأدوات عربية أو إسلامية!
والهدف المعادى هو العودة بنا إلى عصور الظلام الحقيقية الجاهلية والعصبية والحروب القبلية السياسية والمذهبية والطائفية والعرقية خصوصا حين تغيب الحكمة السياسية المسؤولة وتحضر الحملات الإعلامية غير المسؤولة لتحقق هدف الأعداء على حساب الأشقاء.
والمطلوب الآن من كل حكماء السياسة وكل عقلاء الإعلام أن تأتى كل كلمة أو قرار للضغط على إسرائيل بكل الوسائل لا على الفلسطينيين المحاصرين، لإنهاء الاحتلال أصل الشرور كلها، وكسر الحصار اللاإنساني، وفتح المعابر لمنع الانفجار لأن المحاصر والجائع والمظلوم لن يكون أمامه سوى الانتحار أو الانفجار.
والسعي بالكلمة والقرار للتقريب بين الأشقاء من موقع الأخوة للجميع لا من موقع الانحياز أو العداء، وبالحوار الموضوعي لا بحملات السباب والمهاترات، ولا يصب الزيت على نار الفتن والخلافات الوطنية والعربية والإسلامية.