يؤمن كثيرون بأن ثمة علاقة جدلية قوية بين ما يجري من أحداث في لبنان ومحيطه، وبين المحكمة الدولية الخاصة بكشف ومحاكمة قتلة رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري وغيره ممّن قتلوا بطرق لا تزال غامضة حتى يومنا هذا.
فالمحكمة التي من المفترض أن تنطلق قريبا بشكلها العملي، ستشكّل على ما يبدو منعطفا بارزا في مواجهة ما يعرف بالاغتيال السياسي، الذي كان ولا يزال للأسف سمة ملازمة لتاريخنا الحديث في منطقة الشرق الأوسط.
وقد تختلف التفسيرات حول مسألة المحكمة وكيفية تشكيلها واختيار آلياتها القضائية والتنفيذية وما شابه، انطلاقا من التباين الإيديولوجي الذي يحكم موقف كل طرف وطريقة تعاطيه مع الملف اللبناني تحديدا، والإقليمي عموما.
فقسم كبير من اللبنانيين يؤمن بأن قيام المحكمة سيشكّل علامة تاريخية بارزة في تاريخ البلاد، لأنها ستساهم بلا شك بالحد من ظاهرة الاغتيال الإرهابي المعتمد على أهداف سياسية محددة، والذي سأمت منه جميع القوى دون استثناء وفق ما تبيّنه التصريحات العلنية على الأقل.
لكن الفريق الآخر في لبنان المعروف بولائه الإيديولوجي لسوريا وإيران، لا يرى الأمور من نفس المنظار، ويشكك تاليا بمدى نزاهة هذه المحكمة وقدرتها على التمتع بالحياد وممارسة الموضوعية، معتمدا في منطق مواقفه على ما يصفه بالضغوطات المختلفة التي قد تتعرض لها المحكمة على أكثر من صعيد.
ويرى هذا الفريق بأن المحكمة لن تكون حيادية بل سيتم تسييسها، وأنها ستكون خاضعة لرغبات الولايات المتحدة الأميركية دون غيرها، وبالتالي فإن الأخيرة ستسعى حتما لفرض الأحكام المدينة لسوريا (وبعض حلفائها في لبنان) بشكل استباقي، لا بل ان بعض أطراف ذلك الفريق السياسي يجد في نفسه الشجاعة الكافية ليزعم أمام جماهيره والرأي العام، بأن الأحكام قد أصبحت جاهزة بالفعل وأن المحكمة المذكورة ليست سوى مسرحية دولية تستهدف النيل من صمود ومناعة سوريا أمام المخططات العدائية الكثيرة.
أمام هذا الواقع الخلافي لا بد من الإشارة إلى مسألة في غاية الأهمية، وهي أن المحكمة الدولية قد باتت منذ لحظة نشوئها شأنا دوليا شاملا، انطلاقا من حقيقة أن قرار تشكيلها قد صدر عن مجلس الأمن الدولي لا عن الإدارة الأميركية.
ومعتمدا بالدرجة الأساسية على رغبة لبنانية حقيقية شاملة مطالبة بكشف الحقيقة الموضوعية حول من يقف وراء الاغتيالات البشعة والجبانة التي استهدفت شخصيات مختلفة من النسيج الاجتماعي اللبناني، كانت جميعها تحسب على ما يوصف حاليا بأطراف الموالاة. ولست هنا بصدد تقييم طبيعة الشخصيات المستهدفة.
وفيما إذا كانت (وطنية ) أو غير ذلك مثلما يدّعي أحيانا بعض مؤيدي نهج القمع الفكري لتبرير عمليات القتل، فأكتفي برفض فكرة الإرهاب والاغتيال السياسي بشكلها العام مهما كانت هوية المستهدَف، وبغض النظر عن قناعاته السياسية والفكرية التي يؤمن بها.
وأعتقد جازما بأن الرفض الصارخ والواضح لهذه العمليات الإرهابية التي قد تستهدف أية شخصية فكرية مهما اختلفنا معها في التحليل والايديولوجيا والبعد السياسي، ووضعها تاليا في خانة العمل الجبان الذي يوازي الخيانة العظمى، هو مطلب وطني بكل معنى الكلمة،لا بل مقياس واقعي لحقيقة انتمائنا إلى الحضارة الإنسانية في إطارها العام. فاستهداف الرأي مرفوض، وكذلك قمع القلم والكلمة.
ومواجهة الفكر بالرصاص والمتفجرات لا ينم سوى عن ضعف وجهل وعدم قدرة على قراءة حقائق التاريخ. فلقد أثبتت التجارب الكثيرة بأن لا صوت يعلو فوق صوت الحق، وأنه مهما طال الزمن فإن التاريخ سينصف رموزه الحقيقيين، وأنه لن يكون تحت نور الشمس الساطعة أي مكان للجلاّدين الذين لم يجدوا في أنفسهم الشجاعة الكافية حتى لتبنّي عمليات القتل التي خططوا لها ونفذوها تحت جنح الظلام.
وبرغم حالة التشنّج السياسية السائدة في لبنان حاليا، إلا أنني أعتقد بأن معظم القوى السياسية الفاعلة في لبنان، ولا أقول جميعها، متوافقة من حيث المبدأ على رفض منطق الاغتيال السياسي، لكنها لم تتمكن لسبب أو لآخر من محاصرة مشروعه وعزله كليا، والقضاء عليه بهدف حماية الوطن من الفتن الكثيرة التي تتربص به وتنذره بحقائق الدم والقتل المتعمّد.
وباعتقادي فان الخطورة في ما نشهده حاليا من صراع على الساحتين اللبنانية والإقليمية يتجسد في أن المواقف العملية لبعض القوى السياسية، الموالية لسوريا وإيران تحديدا، تبدو في إطارها العام وكأنها تسعى لتحقيق هدف الإطاحة بالمحكمة الدولية، انطلاقا من القناعات التي سبق ذكرها في بداية هذا السرد.
وإن تبدو تلك القناعات جديرة بالاهتمام وواقعية ومؤثرة بالنسبة للبعض، إلا أنها تحمل في طيّاتها بذور فتنة حقيقية وخطيرة لأنها تبدو وكأنها تقسم اللبنانيين ومعهم السوريون، عن غير قصد ربما، إلى فريقين رئيسيين: الأول مطالب بالمضي قدما بإنشاء المحكمة الدولية ومحاكمة القتلة والمجرمين مهما علا شأنهم وكبر تأثيرهم، والثاني رافض لنشوئها لما سيكون لذلك من نتائج ضخمة على الصعيدين السياسي والاجتماعي وربما الإقليمي أيضا.
وانطلاقا من هذه الحقائق لا أدري إن كانت تلك النتائج الضخمة ستحمل في أبعادها دلائل سلبية أم إيجابية، حيث أن الإجابة على هذا التساؤل تنطلق في واقع الحال من القناعات الإيديولوجية لكل منّا.
وبجميع الأحوال فإن سوريا تبدو في الوقت الحاضر الطرف الملزم أكثر من غيرها لتقديم الأجوبة على التساؤلات الكثيرة التي تضج بها عقولنا، لأنها معنية بتأكيد ثوابتها والتزاماتها الإيديولوجية، ومطالبة بتوضيح وجهة نظرها من موضوع المحكمة الدولية، لما لذلك من مساهمة ضرورية في توضيح كثير من الأمور الأخرى التي ستحدد المستقبل الأمني وربما السياسي للمنطقة برمّتها.
ولا أريد هنا أن أغوص في متاهات توجيه الاتهامات لهذا الطرف أو ذاك بخصوص التخطيط أو المشاركة الفعلية في أعمال القتل التي جرت في لبنان، لكنني أحرص على الإشارة إلى هذه الجدلية القائمة في الوقت الحاضر، إيمانا بخطورة ما قد يحدث، في حال بدأت الهيئة القضائية المدّعية بتوجيه الاتهامات يمينا وشمالا.
إن سوريا مطالبة بتبني موقف شجاع وبتغيير اللغة التي تتعامل من خلالها مع الرأي العام الدولي، وذلك لأنها لن تكون قادرة أبدا على محاكاة المنطق العالمي من خلال نهج إيديولوجي محلي مهما كبر حجم مؤيديه. ولعلّ الأمنية الوحيدة التي قد توجه لسوريا في الوقت الحاضر، هو أن تتعامل مع المحكمة الدولية على أنها مبعث أمل لبراءتها، قبل أن تكون منطلقا لإدانتها.
كاتب لبناني