اعتادت إسرائيل أن تطل بخطابها، على الخارج؛ من خلال صورة متنكّرة ولغة مقنّعة. تتحدث عن السلام والمفاوضات وحلّ الدولتين. أمّا على الأرض فهي لا تعمل سوى كل ما من شأنه أن يصبّ في تخريب ونسف ما تتشدّق به؛ في هذه المجالات. كلامها شيء وأفعالها شيء آخر، على النقيض. ما تنوي فعله، لا تفصح عنه سلفاً.
الآن يبدو أنها تخلت عن التمويه. رجعت إلى حقيقة لغتها ومن دون قناع. طوفان التهديدات التي توالت، في الأيام الأخيرة على لسان المسؤولين الإسرائيليين، باتجاه غزة؛ تفصح مفرداته، عن ذلك.
فهم، من أولمرت إلى نائبه، مروراً بعدد من وزرائه، توعدوا القطاع «باغتيالات لا توفر أحداً»، والقيام بتصفيات «سرية»، فضلاً عن «حرق» أو «محو» قسم من غزة؛ والدعوات «لاجتياحها» وخنقها عن طريق «قطع» التيار الكهربائي كلياً عن مناطقها. يعني القيام بما يشبه حرب إبادة، بأشكال مختلفة. طبعاً ليس في ذلك جديد، من ناحية السياسة التي تعتمدها إسرائيل، على الأرض.
الجديد، إذا صحّ التعبير، هو في الإفصاح سلفاً، عن الخطوات والأساليب العدوانية، التي قررت إسرائيل القيام بها؛ ضدّ القطاع والشعب الفلسطيني. وهو إنذار مسبق، كما تبيّن التجربة، برسم هذا الأخير وقياداته. ناهيك بما هو تلغيم للمفاوضات وأنابوليس واحتمالات التوصل إلى تسوية تامة، قبل نهاية العام الجاري.
الوزيرة ليفني أشارت إلى ذلك بصراحة عندما قالت إنه «لا أمل» بقيام دولة فلسطينية تضم غزة؛ متذرعة باستمرار إطلاق الصواريخ على المستوطنات الإسرائيلية. وفي ظلّ هذا الفيض من التهديد والوعيد، تبخّرت سيرة المفاوضات وصارت كأنها أمر من الماضي.
وضع سعت إسرائيل لبلوغه؛ طالما هو يعطيها الذريعة للتهرب، كالعادة، من موجبات والتزامات التفاوض. كل تركيزها الآن، موجه نحو غزة. سياستها التي فاقمت التعطيل والتملّص، تتعمّد تأجيجها. وبذلك فهي تستهدف القطاع والضفة، على حدّ سواء.
تحاصر الأول وتستعد للتصعيد ضدّه، من خلال ما هددت به. وفي ذات الوقت تحاصر المفاوضات لتخنقها بالتقسيط، مع مرور الزمن. الرسالة واضحة والتوجه مكشوف. إذاً الكل مستهدف، بصورة أو بأخرى.
أو بالأحرى، كافة الأطراف الفلسطينية، باتت في دائرة الخطر. المستهجن هنا والذي يستعصي على الفهم، هو أنه بالرغم من ذلك يبقى الوضع الفلسطيني المتشقق والمتأزم، بل شبه المتناحر، على حاله. وكأنه ليس هناك ما يهدده بعظيم العواقب.
أو كأنه ليس هناك أي قاسم مشترك يجمع بين أطرافه. على الأقل كان من المفروض أن تجمعهم المصيبة. فكيف إذا كان المصير الفلسطيني، برمته، مهدداً؟
لاسيما أنه بات من المعلوم والمكشوف بأن التمزق الفلسطيني ساعد إسرائيل، بأكثر مما توقعت، في تمرير تلاعبها واستفرادها بالساحة الفلسطينية. فهي تعمل على الانقضاض، بالتقسيط، على مقومات الصمود الفلسطيني؛ بلا رقيب أو حسيب. الوزيرة رايس قادمة، قريباً إلى المنطقة؛ حسب مصادر السلطة الفلسطينية.
وحتى لو جاءت؛ فهل بالإمكان، توقّع أي تغيير في السلوك الإسرائيلي؟ السوابق تقدم الجواب. أما الجواب الذي يمكن التعويل عليه، للتأثير في ما تقوم به إسرائيل؛ فهو موجود في الجعبة الفلسطينية. وحده هو الرد. إذا لم يكن لردع إسرائيل كلياً فعلى الأقل لتقليل الخسائر؛ التي تتسبب بها هجمتها الكاسرة، في حلقتها الراهنة.
فإذا كان لحكومة اولمرت لغتها العدوانية الفاقعة، فليكن، بالمقابل للوضع الفلسطيني كلمته في العودة إلى وحدته الوطنية؛ ولو بالحد الأدنى المطلوب، في هذه اللحظة. وهذا أضعف الإيمان.
