تحدثنا الأسبوع الماضي عن موظفين حاصلين على درجة البكالوريوس ولديهم الرغبة الكبيرة في إكمال دراستهم العليا، إلا أن قوانين الجامعات وشروطها بالنسبة لهذا المجال تعرقل طموحاتهم وتقف حجر عثرة في طريقهم. فمعظم جامعات الدولة تشترط معدلا تراكميا عاليا ليستطيع الطالب الانضمام إلى أي برنامج دراسات عليا.
وفي ضوء إثارة هذا الموضوع، تلقينا رسائل واتصالات عديدة تطالب المسؤولين عن الجامعات في الدولة بالتخفيف من الشروط التعجيزية للراغبين في إكمال دراستهم العليا، ووضع بدائل أكثر مرونة وموضوعية. ومن الاتصالات الملفتة في هذا الشأن، شكوى سيدة حاصلة على بكالوريوس في بداية الثمانيات، اذ انه بعد زواجها أنجبت أبناء تخرج معظمهم من الجامعات وعلى رأس أعمالهم،
لذا فقد وجدت أن لديها فراغا أحبت أن تشغله بإكمال دراستها العليا، لكنها للأسف فوجئت بالأبواب تغلق في وجهها وكأنها طلبت أمرا محرما، والسبب في ذلك ان عمرها في الخمسينات. تتساءل هذه الأم: «هل العمر أصبح مقياسا للعلم الذي شرعه الله سبحانه ورغب فيه، ومن ثم شجعت عليه الدولة؟
هل نحرم من فرص التعليم والحصول على أعلى الشهادات دون أن يوضع في الاعتبار ما أديناه من مسؤوليات تجاه أبنائنا ووطننا؟ هل أصبح ملء الفراغ بالعلم والبحث جريمة نعاقب عليها؟ لماذا لا تقدر المؤسسات الجامعية هذه الرغبة التي تعتمل في صدورنا؟ ولماذا تحرمنا من حق مشروع لا تتوانى الدول المتقدمة في تشجيع أبنائها عليه؟».
تساؤلات هذه المربية الفاضلة تبقى محل تقديرنا واهتمامنا، فمن قال إن العلم محدود بعمر وبوضع اجتماعي؟ ومن قال إن الجيل القديم من الخريجين غير قادر على إكمال تعليمه في الجامعات الحديثة؟ ومن الذي وضع هذه القوانين ليعرقل طموحات المتعلمين في وقت أصبح العالم كله يتجه لدعم التعليم وتشجيع الدارسين على الحصول على أعلى الدرجات العلمية؟
إذا كانت جامعاتنا تتشدد في شروطها بالنسبة للدراسات العليا فلتعلم أن شهادات الماجستير والدكتوراه قد أصبحت في دول أخرى بمنزلة البكالوريوس بسبب كثرة الحاصلين عليها، وبسبب تطلع المؤسسات لاستقطاب الحاصلين على أعلى الدرجات العلمية.
جامعات الدولة تخرج طلابا بمعدلات تقل عن المعدل الذي تشترطه للدراسات العليا، وهذه الجامعات وخاصة الخاص منها تقبل استمرار الطلبة في الدراسة رغم تأخرهم عددا من السنوات وبلوغهم عمرا يفوق نظرائهم الخريجين الذين لم يطل بهم الأمد أثناء الدراسة، فإذا كانت تقبل بكل ذلك فلماذا لا تقبل خريجيها للدراسة لديها وللالتحاق ببرامج الدراسات العليا؟
نستغرب وضع شروط تحول دون إكمال الطلاب دراساتهم العليا والاستزادة من العلم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، خاصة إن كان هذا العائق هو المعدل التراكمي لشهادة البكالوريوس أو العمر الذي وصل إليه المتقدم بطلب الدراسة.
فإننا ومن منطلق إيماننا بالطموح العلمي وتقديرنا للراغبين في الاستزادة فيه، نأمل على الجامعات التي تطرح برامج للدراسات العليا، أن تقلل من شروطها التعجيزية لاسيما ذات الصلة بالمعدل التراكمي والعمر أو طلب موافقة مدير العمل الذي قد يكون حاصلا على درجة علمية اقل من موظفه، العلم هبة لا يمنحها الله للجميع،
ومن يحرص عليها فلابد من تشجيعه وتحفيزه بدل إغلاق الأبواب في وجهه وإحباطه. ويكفينا أن ننظر إلى الدول المتقدمة التي تقبل من طلابها تحضير رسالة الدكتوراه وان كان الطالب قد بلغ سن السبعين، فبماذا نختلف عنهم ولماذا نرفض ما يقبلون به رغم تقدمهم علينا؟ .
