الدولة الديمقراطية هي دولة الحق والقانون، وليست كما يشاع هي دولة القانون فقط، ووضع الحق قبل القانون ترجمة واضحة لأن القانون، أي قانون في أي مجتمع وطني أو دولي، لا بد أن يأتي تقنينا لمبادئ الحق والعدل التي أرستها الشرائع السماوية، واستلهمتها التشريعات الإنسانية.
وقننتها في القانون الدولي ضمانا لحقوق الإنسان، التي أولها الحرية وثانيها العدل وثالثها السلام، وتمسكت بها البشرية، خصوصا بعد سقوط عشرات الملايين من الضحايا في الحروب الدامية والمحن المريرة والمآسي الإنسانية المظلمة بظلم الإنسان لأخيه الإنسان.
والقانون الذي يحدد ما هي الجريمة وما هو العقاب لكل جريمة ليحمى حقوق الإنسان الفرد أو الجماعة وفقا لشرائع الحق ولمبادئ العدل وصولا إلى السلام الاجتماعي أو الدولي، لا يحمي الذين يجهلون القانون، ولا يحمي الذين يخالفون القانون،
ولا يحمي الذين يتجاهلون استخدام هذا القانون وتفعيله لتحقيق الحرية والعدالة الإنسانية، سواء على مستوى المجتمع الوطني أو على مستوى المجتمع الدولي، بشرط أساسي هو أن تتوفر القوة أو السلطة الرشيدة العادلة لتطبيق هذا القانون، بغض النظر عن هوية أو حيثية المخالف لهذا القانون.
وعندما أكد المجتمع الدولي أن الاعتراف بالكرامة الأصيلة لجميع أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة، هو أساس الحرية والعدل والسلام في العالم، وأنه لما كان تناسي حقوق الإنسان وازدراؤها قد أفضيا إلى أعمال همجية آذت الضمير الإنساني،
وكان غاية ما يرنو إليه عامة البشر انبثاق عالم يتمتع فيه الفرد بحرية الرأي والعقيدة ويتحرر فيه من الخوف والفقر، ولما كان من الضروري أن يتولى القانون حماية حقوق الإنسان لكيلا يضطر المرء آخر الأمر إلى التمرد على الاستبداد والظلم.
فقد أكد بما لا يقبل مجالاً لسوء القراءة، على عدة حقائق بديهية لا تدع مجالاً للالتباس في المفاهيم أو لخلط الأوراق بما يصور المظلوم ظالما، والمعتدى عليه معتديا، والقتيل قاتلا، والمجني عليه جانيا، وإرهاب الدولة الإجرامي دفاعا عن النفس، والمقاومة الوطنية المشروعة إرهابا،
والشعب المحاصر حتى من الغذاء والماء والدواء والكهرباء هو الظالم، والواقع تحت إرهاب الاحتلال هو الذي يحتل! ولأن القانون الدولي أداة في يد المظلومين، ولأنه في ظل تحول مجلس الأمن الدولي إلى أداة في يد الظالمين، ولأن الظلم الصهيو أميركي قد وصل إلى منتهاه،
والوهن العربي بسبب الانقسام بين المعتدلين والمتطرفين قد وصل مداه، وبدلا من أن نقع كعرب في الفخ الذي يرسمه لنا الأعداء بتحويل مجرى الصراع من عربي صهيوني إلى عربي فلسطيني.
أظن أنه أمام النظام العربي الرسمي والمنظمات الشعبية العربية إمكانية اللجوء إلى الأطر القانونية الدولية، لحماية الشعب الفلسطيني والشعوب العربية الأخرى الواقعة تحت الاحتلال الصهيو أميركي، انطلاقا من الاتفاقيات الدولية لحماية حقوق الإنسان، وعليهم إزاء هذا الانسداد في وجه العدالة الإنسانية دعم المقاومة الشعبية الوطنية ضد المحتلين لا محاصرتها.
وأتصور أن على الدول العربية والإسلامية التضامن الجدي للضغط المؤثر على المجتمع الدولي وإسرائيل المحتلة، بالدعوة لجلسة عالمية للجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب صيغة «التحالف من أجل السلام» التي تجعل لقرارات الجمعية تحت هذه الصيغة قوة الإلزام، بإحالة مرتكبي جرائم الحرب والعقوبات الجماعية ضد الشعوب،
خاصة الشعب الفلسطيني، إلى المحاكم الدولية لوضع سلطة الاحتلال أمام مسؤولياتها الإنسانية الدولية أو مواجهة التداعيات والنتائج، فالاحتلال لن يؤدي إلا لمزيد من المقاومة، والعنف لن يولد إلا مزيدا من العنف، والحصار لن يؤدي إلا إلى الانفجار.. هذه هي تجارب التاريخ، فهل يقرأ الأذكياء والأغبياء على السواء؟.