يمكن أن نعتبر إقدام محرك البحث «غوغل» على حذف صور لاعب المنتخب المصري محمد أبو تريكة التي أظهر فيها تعاطفه مع غزة من البحث عن الصور داخل الموقع، شهادة أخرى جديدة على الدور المنحاز لصالح إسرائيل الذي تلعبه شركة «غوغل»، بدلا من أن تكون محايدة على اقل تقدير، وليس إلى جانب الطرف الأضعف والمحتل الذي يتعرض إلى الاجتياحات والمجازر الصهيونية المفتوحة!

فقد شاهد العالم كله حركة التعاطف من قبل أبو تريكة مع غزة المعتقلة، وكانت حركة عاطفية عابرة لا تمس «غوغل» ولا تسيء لها. فما الذي يدفع «غوغل» إذن إلى شطب وإلغاء هذه الحادثة ـ الواقعة ـ الصورة العاطفية التي تنتصر للشعب الفلسطيني في مواجهة بلدوزر الاحتلال الصهيوني؟!

المفكر والإعلامي العربي الكبير محمد حسنين هيكل كشف لنا جانبا من الخلفية الحقيقية لذلك في أولى حلقات الجزء الثاني من برنامجه على قناة الجزيرة «مع هيكل»، حينما كشف معلومة بالغة الخطورة تتعلق بالتعاون الأمني ما بين إسرائيل وشركة «غوغل» العالمية العاملة في مجال التقنية،

مؤكدا أن الشركة تبيح رؤية كل ما يتعلق بالعرب من مؤسسات مدنية أو عسكرية، ولا أسرار عربية أبدا، بينما تمنع تلك الشركة رؤية صور تتعلق بإسرائيل ومنشآتها العسكرية أو المدنية على سبيل المثال.

وقد سبب هيكل حرجا شديدا لشركة غوغل، حيث أثار في حلقته التي تحدث فيها عن «زمان الحرب.. الأمن القومي»، «إن إسرائيل حصلت على قرار من الكونغرس الأميركي بحظر إتاحة صور الأقمار الصناعية لإسرائيل، وأن ما يظهر من صور تكون مشوشة وغير واضحة، بعكس باقي أنحاء العالم»،

واستدل على ذلك بصور عن بعد 3500 قدم للقاهرة بدرجة واضحة، ومن البعد ذاته صور مشوشة للقدس المحتلة. وقد بررت مصادر مقربة من شركة غوغل الشرق الأوسط، الموقف ردا على هيكل ب«أن الوضع الخاص لإسرائيل جاء بناء على اتفاق مع الحكومة الأميركية».

ندرك خلفيات وأجندات الاصطفاف الأميركي والأوروبي والأممي إلى حد كبير وراء الأمن الإسرائيلي، ونفهم تلاقي الأجندات الاستراتيجية العدوانية ما بين الإدارتين الأميركية والإسرائيلية، ونتابع تلك التحالفات الاستراتيجية ما بين إسرائيل وأميركا وبعض الدول الأوروبية،

ونتابع أيضاً التطورات السلبية على مستوى الأمم المتحدة التي تتعاطى مع ملف فلسطين على نحو أحادي الجانب لصالح إسرائيل، ولكننا لا نستطيع أن نتفهم هذا التعاون الأمني الاستخباري ما بين هذه الشركة التقنية العالمية وما بين دولة الاحتلال الإسرائيلي. فحتى أنت يا «غوغل» مع امن إسرائيل؟!

تفتح لنا شركة «غوغل» بانحيازها الأمني السافر لصالح إسرائيل هنا في هذا السياق، ملف ذلك الاصطفاف الأميركي الأوروبي الأممي مع امن إسرائيل. فالرئيس الأميركي جورج بوش على سبيل المثال في مقدمة المصطفين لصالح الأمن الإسرائيلي،

إذ يعلن تباعا «إننا باقون في العراق لحماية النفط وإسرائيل»، مضيفا «سأتفهم الموقف إذا ما قامت إسرائيل بمهاجمة إيران»، وواشنطن تعود ل«تشرع القتل لإسرائيل وتدعوها إلى تفادي المدنيين في غزة»! واصفة الغارات الإسرائيلية على القطاع بأنها «دفاع شرعي عن النفس» (أ ف ب ـ 18/ 1/ 2007).

بل إن التحالف الأميركي ـ الإسرائيلي والاصطفاف الأميركي المنحاز لصالح الأمن الإسرائيلي، ذهب ابعد واخطر من كل ذلك، فقد أثار الرئيس الأميركي في زيارته الأخيرة لفلسطين الغضب الفلسطيني العارم، بعد أن ألغى «قرارات الشرعية الدولية» و«حق العودة» و«العودة إلى حدود يوليو 67»،

وبعد أن دعا إلى «دولة اليهود»، والى «ضم تكتلات المستعمرات إلى السيادة الإسرائيلية»، والى «دولة فلسطينية متصلة» تصوروا! بعد «أن ينفذ الفلسطينيون مسؤوليتهم في خريطة الطريق» في إشارة إلى المرحلة الأولى منها.. فكل شيء هنا في هذه الأجندة لصالح إسرائيل والأمن الإسرائيلي!

وانتقالا من السياسة الأميركية إلى السياسة الأوروبية تجاه إسرائيل، فيكفي هنا أن نقتبس ما أعلنته المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، في بداية مؤتمر «الحوار الأوروبي الإسرائيلي» الذي انعقد في برلين، حيث قالت: «إن الدفاع عن حق وجود إسرائيل سيبقى في بؤرة السياسة الخارجية الألمانية».

ولعل الرئيس الفرنسي كان الأبعد جرأة في التعبير عن الاصطفاف الفرنسي والأوروبي إلى حد كبير مع إسرائيل، حينما قال في لقاء له مع أولمرت رئيس الحكومة الإسرائيلية «إن إقامة دولة إسرائيل كانت معجزة القرن العشرين، والحدث الأهم في القرن الماضي»، معربا عن «التزامه تجاه أمن إسرائيل»، معتبرا أن أمنها هو «خط أحمر» بالنسبة له (هآرتس ـ 23/ 10/ 2007).

فهل هناك يا ترى اخطر من هكذا موقف وسياسة فرنسية في التعامل مع الصراع في المنطقة، ومع قضايا الأمن الإسرائيلي وقضايا الأمن القومي العربي في الجهة الأخرى؟! وفي هذا السياق الاصطفافي المنحاز لصالح إسرائيل وأمنها تحديدا، أطلق رئيس مجلس حقوق الإنسان «دورو كوستو»،

في لقاء مع صحيفة «ديلي لا تامب» السويسرية الأسبوعية والتي تصدر باللغة الفرنسية، صرخة مدوية يرد فيها على هجوم الرئيس بوش على الأمم المتحدة ويكشف النقاب عن «أن هذه المؤسسة وهي اكبر مؤسسة عالمية، كانت منحازة ضد الشعب الفلسطيني»،

واعترف ب«أن منظمة الأمم المتحدة تعاملت بصورة غير متوازنة مع الصراع العربي الإسرائيلي، وانحازت بشكل سافر لصالح إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني». فيا للفجيعة والعار الأممي! فهاهي حقيقة المشهد الماثل أمامنا اليوم: اصطفاف أميركي أوروبي أممي إلى حد كبير مع امن إسرائيل، في ظل اختلال مرعب للموازين، وفي ظل غياب مخجل ومؤسف للعرب!

كاتب فلسطيني

nawafzaru@yahoo.com