في المحصلة النهائية، للقدر الكلمة الفصل حين يتعلق الأمر بالقضايا الجيوسياسية الكبرى في عمر الإنسانية، ويبدو أن الأرض الأفغانية قد وضعها التاريخ في خانة المناطق أو الكيانات التي عادة ما تلعب دور البطولة في نشوء وارتقاء إمبراطوريات وانهيار وأفول أخرى.

أرض أفغانستان شكلت بيضة القبان في انهيار قوة الاتحاد السوفييتي العظمى عندما كانت قوات الجيش الأحمر تئن تحت ضربات قوات حرب العصابات التابعة لما عرف بالمجاهدين في ثمانينات القرن الماضي، الأمر الذي قاد في الوقت نفسه إلى صعود نجم الولايات المتحدة كقوة عظمى متفردة في العالم، إلى أن انقلبت الموازين وراح أبناء أو أحفاد أولئك «المجاهدين» يلعبون اللعبة ذاتها مع قوات حلف شمال الأطلسي المرابطة اليوم على الأرض الأفغانية القاسية.

على الرغم من أن جميع الحقائق الموجودة على أرض الواقع تشير إلى فشل مهمة قوات الناتو في أفغانستان، ومن أن جميع المراقبين تقريبا يؤكدون أن حركة طالبان وحلفاءها باتوا يسيطرون على معظم الأرض الأفغانية، وأن حكومة قرضاي وحلفاءها بالكاد قادرون على التحكم بمقاليد الأمور حتى ضمن حدود العاصمة كابول، إلا أن قوات الناتو بقيادة الولايات المتحدة تمعن في رفض الاعتراف بهزيمة مطلقة منيت بها على أرض أفغانستان.

ذلك الإنكار الغبي والإصرار الذي لا معنى له على البقاء هناك، رغم عظم الخسائر ووضوح الهزيمة وانسداد كل الآفاق، ليس له ما يبرره إلا مسوغ واحد يفيد بأن أي اعتراف محتمل بالهزيمة هناك من شأنه أن يشكل المسمار الأخير، ربما ليس في نعش الإمبراطورية الأميركية فحسب، بل إنه قد ينزع الغطاء الأخلاقي المهلهل أصلا الذي يتدثر به حلف شمال الأطلسي لناحية المبررات التي طرحها كل من أعضائه على شعبه،

والتي تمحورت حول ثنائية إقامة الديمقراطية وإعادة الإعمار في بلاد زاد افتقارها لهاتين المسألتين الضروريتين إثر تدخل الغرب في شؤونه الداخلية، الأمر الذي قاد إلى فتح سجال حاد بين أعضاء الناتو، بينما راحت تكال الاتهامات فيما بينهم بكل اتجاهات وتحتد الخلافات بين أعضائه وتستعر حدة المطالبات المتكررة بإرسال مزيد من القوات إلى أرض أفغانستان الجريحة.

في اجتماع عقده وزراء دفاع الدول الأعضاء في الناتو، مؤخرا، في العاصمة الليتوانية، تمت مناقشة مسألة توزيع المسؤوليات بطريقة عادلة في العمليات العسكرية الدائرة رحاها على أرض أفغانستان، لكن احتجاجات الشركاء الأكثر تضرراً من ضربات طالبان الموجعة لم تجد بشيء

ولم تكن نافعة في حمل بقية الشركاء على قبول إرسال قوات إلى المناطق الأكثر خطرا، بينما تجلى الأمر الوحيد الواضح الناجم عن هذا الاجتماع التخصصي في الدعوة إلى عقد قمة لرؤساء دول وحكومات الناتو في أبريل المقبل في بروكسل، حيث من المفترض اتخاذ قرارات ملموسة حول استقرار أفغانستان وإعادة الإعمار فيها.

كما أن الحدث الأبرز في ذلك الاجتماع الموسع تجلى في غياب وزير الدفاع الروسي عن حضوره رغم الدعوة الرسمية الموجهة إليه، الأمر الذي عكس مجددا امتعاض القيادة الروسية حيال توجهات الناتو التوسعية في أوروبا الشرقية،

لاسيما وأن هذا الاجتماع انعقد هذه المرة على أرض كانت تعتبر حتى وقت قريب جزءا من الإمبراطورية السوفييتية المنهارة، مثلما عكس توجهات تلك القيادة الإقليمية منها والدولية على حد سواء، والتي لا يختلف عاقلان على أنها تصب في محاولة روسية جادة ومستميتة باتجاه إعادة صياغة العلاقة القائمة بين موسكو وبين التحالف الغربي، الذي تقوده واشنطن.

في حين بح صوت مسؤولي الناتو مطالبين بزيادة حجم المشاركة والتمويل في المغامرة الأفغانية غير المحسوبة، التي جاءت جراء قرار طائش لرئيس موتور اتخذه في إطار ما يطلق عليه زورا «الحرب ضد الإرهاب»،

ها هو الدب الأبيض الروسي يطل متبخترا برأس مرفوعة مكشرا عن أنياب لم تغب إلا لحين، لتطل الآن من جديد مطالبة بحصة متكافئة من الكعكة التي تمثلها مناطق الأطراف الإقليمية التي تحيط بالإمبراطوريات عادة، والتي تشعل وتشتعل فيها النزاعات والحروب الدموية انعكاسا لمرآة تعكس واقع الصراع بين القوى العظمى.

وفي هذا السياق بالذات تندرج حمى الزيارات التي يقوم بها المسؤولون الغربيون إلى أرض أفغانستان وكذلك العراق، ذلك أن خارطة العالم الجيوسياسية باتت قاب قوسين أو أدنى من إظهار ملامح جديدة وبروز أو عودة بروز قوى جديدة،

انسجاما مع واقع الهزيمة التي تمنى بها الولايات المتحدة وحلفاؤها في أكثر من مكان في العالم، وفي مقدمها أرض أفغانستان. من أرض أفغانستان يرحلون، ومن خلالها يعودون، ويرتفع نجم البعض مرة ويخبو مرات عديدة أخرى.

bassil@albayan.ae