لم تحتل المسألة الديمقراطية بالنسبة للغرب في العالمين العربي والإسلامي إلا بضع الاهتمام، وهو اهتمام قد يتزايد في حالة الأنظمة المعارضة لسياساتها أو إذا ما وجدت في مواقفها تهديدا لمصالحهم الاقتصادية والاستراتيجية.

لذا فإن مسألة «دكتاتورية الأنظمة العربية» كتعبير قد يكون الغرب هو أول من أطلقه، في مرحلة الحرب الباردة، للتمييز بين الأنظمة العربية التي تقع في خانة الدول الحليفة لها مقابل الدول المعادية لها أو تلك الحليفة للمعسكر الاشتراكي أبان الحقبة السوفيتية. وهو كتعبير أطلق على عبد الناصر ونظامه منذ حرب السويس في خمسينات القرن الماضي حتى مماته.

إلا إنه لم يطلق على رؤساء الجمهوريات المصرية اللاحقين له والتي قد تكون أحدثت تغيرا في الدرجة وليس في النوع فيما يتعلق بطبيعة النظام المصري. كما إنه قد أطلق على نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين في فترة صدامه مع الغرب وتحديدا في السنة الأولى من حربه على إيران وفي فترة دخوله في صدام مع حزب المحافظين أبان حكم رئيسة الوزراء السابقة مارجريت تاتشر،

على خلفية ما سمي في ذلك الوقت بمشروع تصنيع «المدفع العظيم»، وإعدامه للصحفي البريطاني- الإيراني الأصل، ولربما ازداد توظيف هذا التعبير في وصف الحالة العراقية، أي «النظام الدكتاتوري» ابان فترة الاحتلال العراقي للكويت حتى سقوط النظام،

بل كان ذلك أحد المبررات التي سيقت لإسقاط النظام بالإضافة للمبررات الأخرى. وإذا ما كان الاحتلال الأمريكي للعراق قد أطاح «بنظام دكتاتوري» قد لا نختلف في تسميته بذلك، إلا أنه وفي ذات الوقت قد فشل في إقامة النظام الآخر البديل أي النظام الديمقراطي.

فالنظام القائم الآن في العراق رغم ما يحيط به من ظروف أمنية لا ترقى لأن يطلق عليه بالنظام الديمقراطي، بل إن منظمة بيت الحريات الأميركية لم ترفع اسمه بعد من قائمة الأنظمة العربية عديمة الحريات السياسية رغم رفعه من خانة الدول ذات الطبيعة المسماة في التقرير باسم «الأنظمة القمعية» والتي تزخر بهم، وفق ما يقول التقرير، المنطقة العربية كإقليم.

وقد لا نختلف مع البعض كذلك في إن الغرب قد يكون راغبا في إحداث قدراً من التحديث السياسي إلا أنه يبقى مع ذلك تحديثا غير مضر على مصالحه الاستراتيجية في المنطقة، أو بالأحرى القبول بقدر من التغيير الذي لا يجلب الضرر أو التهديد الآني أو المستقبلي للمصالح الغربية في المنطقة.

وهم لذلك قد يكونون، ونتيجة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر، مدفوعين نحو إحداث بعضا من التغيير السياسي، إلا أن فشل التجربة العراقية والخوف من مجيء الجماعات الإسلامية للحكم في بعض المواقع والدول العربية ذات الأهمية الاستراتيجية لها كمصر والجزائر واليمن وغيرها، فإن هذه الدعوة بدت في الفترة الأخيرة خجولة أو لنقل دعوة «ناعمة» في طلب الإصلاح وليس فرضه.

بمعنى آخر إن المطلوب الآن هو إحداث قدرا من التغيير السياسي الذي لا يطيح «بالطبقة أو النخبة السياسية» العربية أو الإسلامية الحليفة ولا يجلب الضرر لمصالحها. فأمام خيار وصول الاسلامويين للمقاعد النيابية العربية أو للحكم،

فإن ما هو القائم من أنظمة سياسية عربية أو إسلامية وإن اختلفت معها سياسيا أو اتسمت بكونها أنظمة لا ديمقراطية، إلا إنها تبقى تمثل جزءا من التحالف المضاد للإرهاب وخارج عن ما يسميه الرئيس الأميركي الحالي جورج بوش «بمحور الشر».

وهو محور قد يتسع أو يضيق وفق خيار الاتفاق أو الاختلاف مع الغرب، وليس وفق هامش الحريات السياسية في الداخل. فالنظام السياسي الحاكم في الباكستان رغم كونه نظاماً عسكرياً لا ديمقراطيا، إلا إنه رغم كل ملاحظات النقد الغربية إليه، يبقى نظاما حليفا شريكا في حربه على الإرهاب،

غير مهددا لمصالحه الاستراتيجية في المنطقة، بل قد يمثل وفق تقديرهم قاعدة مهمة في انطلاقة الحرب على الجماعات الإرهابية في جنوب آسيا وفي المنطقة العربية. وقد كتب مراسل الشؤون السياسية في صحيفة ها آرتس الإسرائيلية في 30/ 12/ 2007 معلقا على اغتيال السيدة بي نظير بوتو على يد الجماعات الإسلامية المتطرفة الأتي: «هل سيظهر الآن (في الباكستان)

شخص يدعو للديمقراطية بعد مقتل بوتو، ذلك لأننا نتحدث عن دولة نووية ولا يرغب احد منا(الإسرائيليون) أن تكون القنبلة النووية(الباكستانية) بيد الذين سيتم انتخابهم بصورة ديمقراطية من الإسلاميين والإرهابيين... الدكتاتورية أفضل لنا، ذلك أن الديمقراطية تستطيع الانتظار».

من هنا جاء مسعى الولايات المتحدة الأميركية هو أن يكون الهدف ليس تغيير النظام السياسي الباكستاني وإنما المجيء ببعض الوجوه التي قد تشاركها الموقف المعادي من الجماعات الإسلاموية المتطرفة والإرهاب، ومن داخل النخب السياسية التقليدية في الباكستان وليس خارجها، وذات السمعة السياسية المقبولة، والتي قد تعطي إيحاء بالتغيير وليس التغيير ذاته.

وهو تغيير يُبقي على مركب القوة قائما ولا يمس أو لا يميل نحو شكل جديد أو إحداث إعادة توزيع له. أي إحداث بعض التغيير الشكلي الذي قد يمتص قدرا من التوتر الداخلي إلا إنه يبقي، مع ذلك، تغييرا لا يساعد، إذا ما استمر بذات المستوى والوتيرة على إنهائه التوترات الداخلية أو كما يقولون مصدر النزاع أو الصراع.

وقد رغبت الولايات المتحدة الأميركية في أن تكون بداية الإصلاح بعودة السيدة بوتو، إلا أن اغتيالها بالصورة المفاجئة، قد خلق فراغا سياسيا مهما في البدائل المطروحة في الباكستان. فهي قد لا ترغب في استمرار العسكر في الواجهة السياسية

كما إنها من ناحية أخرى قد لا ترغب في عودة السيد نواز شريف من جديد للحكم، فهو وإن كان صنيعة الجهاز الأمني الباكستاني إلا إنه يبقى وبحكم طبيعته المزاجية غير المستقرة مدعاة للقلق والإثارة السياسية في محيط جنوب آسيا والعالم الإسلامي،

وهو محيط بات يحمل الكثير من الألغام والقنابل الموقوتة، كنتيجة للفعل السياسي الغربي العاجز عن حل المعضلات الداخلية المتأزمة والمستعصية على الحل في بعضها أو تأخر الحل عنها أو كنتيجة لانعكاسات العلاقة مع الغرب على الوضع العربي أو الإسلامي الداخلي.

وخلاصة القول إنه دون تعديل في ميزان القوة الداخلية تعيد للإنسان في هذه المنطقة قدرا من إنسانيته وكرامته، فإن المنطقة كإقليم ستبقى عاجزة عن اللحاق بالركب، وسنبقى بعيدين عن التأثير في القرار الدولي متأثرين بما يصاغ لنا فاقدين الرؤية والبصيرة.

كاتب بحريني