اللبنانيون عجزوا عن فك طلاسم من يرأس الجمهورية لأن المزاد العلني كبير وكبير جداً، أما في العراق فكل شيء سريالي، فمكافأة الموت سهلة التمرير على المسؤول وغير المسؤول، والضحية دائماً من هو خلف أسوار الفقر سواء كان من الشيعة والسنة، أو أي طائفة أخرى..
هناك ما يقال عن توافق جديد على خلق حكومة لا تخضع للمحاصصة، وهي مسألة غير معروفة على الأقل، كيف تحل معضلة ما نشأ بعد الاحتلال وزوال صدام بأن كل طائفة لديها موازين قوة، وبالتالي تم الفرز ثم تشكيل جهات تركز على حجم الطائفة، فهل يمكن للأكراد، أو الشيعة وهما من يحتلان المركز الأول للشيعة والثاني للأكراد أن يقبلا العرب السنة بأن يكون لهم دور مماثل ونسيان حساسية السنين، وكيف حكموا المراحل السابقة، وبدون ثارات أو مخاوف أو حتى شكوك تطال القيادات السابقة وأبناء الشعب الذين لم يكن لهم أي فرز بالتصنيف عندما عاش العراق موحداً في عصر بريطانيا، والانقلابات، ثم الحروب والاحتلال، وما بعد ذلك بشكل مغاير بكل ما كان يجمع العراقيين بوحدة المصير والوطن؟
إذا كانت الديمقراطية تبني حكومات بدون تمييز، وتكون الكفاءة والتأهيل والقدرة على العطاء جزءاً من شروطها، فالعراق حتى الآن جنين الولادة لما بعد كل تلك الصور المأساوية التي مرت عليه، لكن إذا كان يختزن التاريخ ويختزل كل مكونات الحضارة التي انبثقت منه، فالحال مختلف، لكن هل يمكن إعطاء الحوار والثقة دورهما بدون محاصصة، ولا ثقافة المليشيات والهوية الناقصة، وهل يمكن للعراق الذي لديه فائض في امكاناته، أن يحتوي شعباً بات المشرد بعد المشردين الفلسطينيين، ومهجري افريقيا وغيرهما؟
لست متشائماً من العراق ودوره القادم، لكن البينات على المدعي الذي ذهب بكل المواكب فرحاً وحامل جنائز، وأخيراً وقف وحده يعيش حالة الكفر بكل شيء ودون استطاعة بحل معضلة الهوية ومن يتساءل حول المذهب والقبيلة وكل ما يفرق العراقيين أنه جسد الوطن أم جنازته؟
حكومة بلا محاصصة يمكن أن تنقذ كل العراق بطوائفه ومعالمه التاريخية وأرومة من عاشوا على أرضه، لكن هذا الشرط يحتاج إلى عمل، والعمل إلى إرادة بأن يتعالى القادة ومن دونهم على مكاسبهم مقابل حقوق وطنية مهدرة لأن من يحاولون الاتكاء على أمريكا، أو دول اقليمية أو عربية عاجزة عن إدارة شؤونها، هم من يتوهمون بالعلاج الخارجي، ونحن مع حل عراقي لكن كيف ومتى؟ هذا تحدده قدرة العراقيين على تجاوز واقعهم، ورسم خط مستقبلهم بدوافع وطنية وقدرات لا زال العراقيون يملكونها، ويستطيعون فك النحس عن بلدهم..
