أثارت الجدالات الحاصلة، بشأن تقرير فينوغراد، مجددا التساؤل عن معنى النصر والهزيمة في القاموسين العربي والإسرائيلي، إذ إن غالبية ردود الفعل العربية (السياسية والإعلامية) رأت في هذا التقرير بمثابة انتصار للعرب، أو تأكيدا لغلبتهم على إسرائيل، في نظرة مبسطة ورغبوية ومتسرعة للأمور.
وقد تناسى أصحاب وجهة النظر هذه بأن من أصدر التقرير المذكور هو الطرف الإسرائيلي بالذات، ما يشكل نقطة تفوق وتميّز له، وأن هذا النصر ليس له تعبيرات أو تمثلات سياسية وملموسة على الأرض، وإنما هو مجرد انتصار معنوي (لا نقلّل من أهميته) بالقياس لموازين القوى والحروب العربية ـ الإسرائيلية، التي كانت جد محبطة ومخيبة للآمال، كما للتوقعات.
وفي كل الأحوال فقد فات وجهات النظر هذه أن إسرائيل بإصدارها هذا التقرير، الذي تعين فيه أسباب إخفاقها في حرب لبنان (يوليو2006) إنما تمارس نوعا من التحدي للعرب في طريقة رؤيتهم للمسائل، وفي رفضهم الاعتراف بتقصيراتهم، وممانعتهم للروح النقدية المسؤولة.
كما يمكن القول إن إسرائيل بإصدار هذا التقرير إنما تمارس نوعا من الاستعلاء على العرب، فهي لا تخشى البتّة طرح ثغراتها ونواقصها في النقاش العلني، وحتى لو كان الأمر يتعلق بقضايا تمس أمنها القومي «وقدس الأقداس» بالنسبة لها وهو الجيش؛ في حين أن العرب يراوغون بالكلمات بشأن نتائج حروبهم مع إسرائيل، وخساراتهم أمامها، برغم الفارق الكبير في الإمكانيات (المساحة وعدد السكان والموارد).
فوق كل ما تقدم فإن الغاية من هذا التقرير (وبالأصح الدراسة)، بالنسبة لإسرائيل (كما غيره من التقارير)، إنما تتعلق بتحديد المسؤولية عن بعض القرارات العملياتية غير الصائبة، التي جنح إليها الجيش الإسرائيلي، من مثل المبالغة بالتعويل على القوة الجوية لحسم الحرب ضد حزب الله،
أو مثل الزج بقوة برية غير مناسبة في الحرب في مراحلها الأخيرة، وفي التخبط في إصدار القرارات بين المستويين السياسي والعسكري. كما تتعلق بكيفية تقوية الجيش الإسرائيلي، وتمكينه من تجاوز نقاط ضعفه، التسليحية واللوجستية والعملياتية.
المعنى أن الغرض من هذا التقرير/ الدراسة ليس إبداء النقد فقط، أو تحميل المسؤولية لأشخاص معينين في لعبة التصارع على النفوذ والسلطة (كما لدينا)، وإنما إعادة بناء الجيش، وتأهيله كي يكون أكثر قوة في مواجهة التحديات الجديدة، أو إعداده لتحقيق النصر في الحروب القادمة كما جاء في التقرير حرفيا.
هكذا فإن النصر والهزيمة في القاموس العربي السائد يقصر في الإحاطة بالواقع، وبدلا من الاحتفاء بالتقرير والتشفي بإسرائيل والشماتة بجيشها، ينبغي التحول نحو الإحاطة بالمخاطر التي يطرحها مستقبلا، في المنطقة، وتبين المغزى الحقيقي له، ولغيره من التقارير والدراسات التي تصدرها مراكز الأبحاث الإسرائيلية، المتخصصة والمهنية والمسؤولة، والتي تكاد الساحة العربية تفتقد لمثيلاتها.
ويكفي أن نذكر هنا أن إسرائيل تنفق ما مقداره 5,3 بالمئة من ناتجها القومي على البحث والتطوير وهو مبلغ يعادل 5 مليارات من الدولارات، وهو ضعف ما ينفقه العالم العربي. كما أن صلة هذه المراكز بصانع القرار جد عضوية، ووثيقة، في حين أن صلة مراكز الأبحاث في بلداننا العربية بأصحاب القرار تكاد تكون مقطوعة، إن لم تكن مشوبة بنوع من الاستخفاف والاستهتار (وياللأسف).
الأهم من كل ذلك أن بعض المهللين بالتقرير والذين رؤوا فيه تأكيدا لوجهة نظرهم بشأن هزيمة إسرائيل في حرب يوليو (2006)، لم يتمعنوا جيدا في تفحص صحة هذا الاستنتاج على الأرض. فمن البديهي أن إسرائيل لم تستطع القضاء على حزب الله،
وأنها لم تستطع تحرير الجنديين الأسيرين، وهي أخفقت من الناحية العملياتية في صد صواريخ حزب الله، كما تخبطت في المعارك البرية، بحيث شكلت هذه الحرب إخفاقا للجيش الإسرائيلي، بالقياس للحروب السابقة.
لكن مع أهمية كل ما تقدم فإن هذا الوضع، والاحتفاء به، لا ينبغي أن يصرفنا عن التعامل مع هذه الحرب بمسؤولية عالية، وبروح نقدية مناسبة، تتناسب والتضحيات التي قدمت فيها. وفي الواقع فإن إسرائيل في هذه الحرب حصدت مكاسب سياسية استراتيجية (رغم إخفاقاتها العسكرية، ضمنها:
1 ـ اعتراف حزب الله مجددا بالخط الأزرق، أي بأن حدود مقاومته للعدو الإسرائيلي تتوقف عند حدود لبنان، أو عند استرجاع مزارع شبعا وتحرير الأسرى اللبنانيين من السجون الإسرائيلية، والرد على الاعتداءات التي قد يقوم بها الجيش الإسرائيلي ضد لبنان.
وواضح من هذا الأمر أن في ذلك انكفاء للدور المفترض لهذا الحزب في مقاومة وجود إسرائيل، باعتباره يرى أن أرض فلسطين وقفا إسلاميا، وأن إسرائيل دولة غير شرعية في المنطقة (دينيا وقانونيا).
2 ـ لقد اضطر حزب الله لإيقاف هذه الحرب إلى الانصياع، ولو الاضطراري)، لقرار مجلس الأمن الدولي (1701ـ 12/ 8/ 2006)، الذي يقضي ببسط سلطة الدولة على أراضيها كاملة، من خلال قوّاتها المسلّحة الشرعيّة (وكان يرفض ذلك سابقا)، بحيث لا يعود هناك وجود لسلاح من دون موافقة الحكومة اللبنانية وسلطة غير سلطة الحكومة اللبنانية.
3 ـ اضطر لبنان (ومعه حزب الله) بعد الحرب المذكورة للموافقة على نشر قوّة دولية مسلحة تابعة للأمم المتّحدة، بحيث بات ثمة حاجز دولي بين مقاومة حزب الله وإسرائيل.
4 ـ اضطر حزب الله للالتزام بوقف العمليات الحربية بموجب قرار مجلس الأمن الدولي (أي وقف المقاومة) بما في ذلك التراجع حوالي 20 كلم داخل الأراضي اللبنانية، لفسح المجال أمام الجيش اللبناني والقوة الدولية.
5 ـ الأخطر والأهم من كل ما تقدم أن هذه الحرب أدت إلى خلخلة وضع لبنان، الدولة والمجتمع، فلم يعد لبنان موحدا حتى ولو بالنسبة لفترة ما قبل الحرب. فوق ذلك فإن مقاومة حزب الله التي انكفأت في مواجهة إسرائيل، كما تبين معنا، باتت غارقة في مشكلات السياسة اللبنانية.
ومعلوم أن هذه الحرب، التي استمرت طوال ثلاثة وثلاثين يوما (12/ 7 ـ 14/ 8/ 2006)، تضمنت 15 ألف غارة جوية إسرائيلية، أدت إلى مصرع أكثر من ألف من اللبنانيين، وإصابة عدة ألوف منهم بإصابات متفاوتة، وهدم وتخريب 15 ألف منزل،
عدا المؤسسات العامة والمرافق والمصانع، كما أدت إلى نزوح حوالي مليون من اللبنانيين من مناطق سكناهم. أما إجمالي الخسائر، المباشرة وغير المباشرة، فقدرت بحوالي 5,9 مليارات من الدولارات، وهو ما يشكّل 40 بالمئة من إجمالي الناتج القومي للبنان.
أما على الصعيد الإسرائيلي، فقد كانت خسائر إسرائيل معنوية على الأغلب، وسياسية إلى حد ما، أما من الناحية المادية فقد أدت هذه الحرب إلى مصرع حوالي 160 إسرائيليا (ضمنهم 117 من العسكريين)، بمعنى أن 39 إسرائيليا من المدنيين سقطوا جراء القصف الصاروخي (حوالي 3970 صاروخا) من قبل حزب الله، والذي استهدف المستوطنات والبلدات الإسرائيلية،
أما عدد الجرحى فبلغ خمسة آلاف، وقد تضررت جراء القصف الصاروخي حوالي 12 ألف شقة. وبالإجمال فقد قدرت الخسائر الاقتصادية الإسرائيلية بحوالي 7,5 ـ 7 مليارات من الدولارات)، وهو ما يشكل نصف موازنة الدفاع الإسرائيلية، وحوالي 6ـ 7 من إجمالي الناتج القومي الإسرائيلي. (يديعوت أحرونوت 15/ 8/ 2006)
يستنتج من ذلك أن هذه الحرب كانت حرب خاسرين، بالنسبة للطرفين، مع ملاحظة أن الخسارة المادية والبشرية والسياسية الأكبر كانت من نصيب لبنان. أما بالنسبة للتقرير فمن الواضح أنه تعبير جديد عن استمرار إسرائيل في تحدي الواقع العربي، في الرؤية والإرادة، فإلى متى يبقى هذا الواقع قاصرا عن مواجهة هذا التحدي؟!
كاتب فلسطيني